القائمة الرئيسية
الرئيسية
البحث
مقالات سياسية
مقالات أجتماعية
مقالات منوعة
مقالات فنية
قصص و أدب
استفتاء صحافة زمان
مجتمع زمان فى اسبوع
احصائيات الموقع
الأعضاء: 3
الأخبار: 107
المواقع الخارجية: 5
استفتاء
ما اكثر الابواب التى تشد انتباهك فى صحافة زمان
 
 
 
الرئيسية arrow قصص و أدب arrow الضبع
الضبع PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ حسن مؤنس   
المصوّر بتاريخ 29 ابريل 1955 , ظللت شهورا تلح على زوجها فى أن يأخذها الى " جنينية الحيونات " ………. فلما اخذها الى هناك أقسمت الاتعود . أنها واحدة من أولئك اللاتى نجون من " الملاية اللف " بمحض المصادفة ، فأمها وخالتها وعمتها واختها الكبرى كلهن لا يخرجن الى الطريق الا متخفيات
وراء هذا الستار الاسود ، وقليلات منهن من يلبسنها مع البرقع والحذاء ،أما البقية فتلتف بها التفافا ، و" تكعب " الشبشب وتخرج الى الطريق ، لانهن من هذا الجنس المجهول الذى لا يعرف عنه أحد شيئا ، " البلدى " الذى يعمر أكثر من نصف القاهرة ، ويضفى عليها جوا غريبا ، لاهو قديم ولا هو حديث وانما هو خليط من الفقر والكسل والترف المحدود ، والفساد الذى تفلح الملايات فى ستره حينا وتفشل فى ستره أحيانا ………
 
لم تعرف الملايا اللف ، لان الحظ أراد لها أن تدخل المدرسة ، فتعلمت القراءة والكتابة ، ثم ذهبت الى " المعلمة " وهى أمراة تحترق حياكة ثياب النساء ، وتستخدم طائفة من البنات دون اجر لانها تعلمهن الصنعة ومن " المعلمة " انتقلت الى مصنع " قمصان " وكانت على شىء من الحسن ، فأعجب بها " عبده" الاخ الاصغر لصاحب المحل ، فخطبها الى أهلها وتزوجها ، واسكنها فى غرفتين فى البيت لذى تسكن فيه امه واغلق عليه باب المسكن ، وانقضت شهور وهى لا تبارح البيت الا الى دار اهلها ، ومرت حياتها راتبة كحياة أمثالها : يخرج " سى عبده " فى الصباح ويعود الظهر ليتغدى ثم يخرج ليعود مع المساء ليجدها فى أنتظاره ، كانها شىء من أثاث البيت .
 
وكانت محسودة على ذلك فان " سى عبده " رجل مستور ، يكسب شيئا يغبطه عليهالكثيرون ، وهو " يتحلى " الى جانب ذلك بشىء كثير من ثقل الظل الذى يلازم هذا الطراز من الناس اذا أوسع الله عليهم فى الرزق : يرتدى جلبابا من الحرير يمتد حتى يمس الحذاء ، ويضع فوق الجلباب معطفا أسود طويلا ، وعلى رأسه طربوش يميل الى اليسار ميلا لطيفا يسمح للزر بأن يتأرجح مع خطوات السير فى نظام كأنه جندول ساعة ، وهو يمشى مشية تدل على كبرياء ويترقق فى حديثه تشبها بالاغنياء على ظنه ، ويفخر بأنه رجل مستقيم : من البيت الى المحل ، ومن المحل الى البيت ، وهو يجلب لبيته رطللين من الضان كل يوم ، ويزهو بذلك زهوا عظيما ……….
 
وكانت رسمية راضية بهذا النصيب ، لم تسال نفسها يوما من الايام أن كانت سعيدة أو غير سعيدة ، لان هذا السؤال لامعنى له ، وهى تعيش فى رعاية رجل أنيق مثل سى عبده يلبس الجلباب الحرير ويشترى رطلين من الضأن كل يوم . ولكن شيئا من الضيق كان يتسلل الى نفسها ……… ضيق أخذ يتزايد مع الزمن ، وهى تعيش فى غرفتيها لا تكاد تعرف دونهما الا الطريق الى بيت اهلها ……… وتاقت نفسها الى الخروج الى الذهاب الى حديقة مثلا ، كما كانت تفعل مع اترابها ايام كانت " شغالة " فى المحل اشتاقت الى زيارة " جنينة الحيوانات " ……… لان نساء الحى كلهن يذهبن الى هناك ويعدن ليتحدثن عن قفص القرود وبيت السبع وعن الزرافة وكلب البحر والفيل " ابو زلومة " و" البغبغانات" أيضا …….. وهمست الى زوجها بذلك فى ساعة من ساعات الرضا ، فاستنكر الطلب ، وتعجب من قلة عرفان النساء للجميل ……… كيف تفكر امراة فى حديقة الحيوانات اذا كان زوجها ياتيها كل يوم برطلين من الضأن ويسمح لها بزيارة اهلها مرة فى الاسبوع على الاقل ؟
 
واعادت عليه الرجاء فى ساعة رضا أخرى وثالثة ورابعة … وهو فى كل مرة يعتذر بكثرة العمل ، أو يكتفى بالقول : " أن شاء الله " … ويوما فيوما اصبحت هذه المسألة مشكلة كبرى . اصبحت زيارة " الجنينة " حلمها الوحيد ومقياس حبه لها ، وقد أحب ان يستخدم سلطانه فغضب وسب وشتم … دون جدوى …. دائما كانت تعود ساعة الرضا ويضغف المسكين ، وما تكاد تشعر بذلك حتى توجه السهم فى ظروف ورقة ولين …….. واخيرا ، وكما هى العادة ، انتصرت دليلة على شمشون الذى فقد جبروته ….. ووعدها بان ياخذها الى " الجنينة " يوم الجمعة القادم … وكانما كان هذا وعدا بزيارة الجنة ….أستطارها الفرح ، ولم يعد لها هم الى مساء الخميس الا الاستعداد للزيارة المشتهاة …. أعدت أحسن ثيابها واستعدت بصينية بطاطس ودجاجة وبرتقان …. وأستيقظت صباح اليوم المنشود مع البكور ، ولقى سى عبده من رقتها وظرفها وبشرها مالم يكن يتصور …. وزايله النفور من هذه الزيارة …… فنهض وحلق ذقنه ولبس جلباب الحرير ومعطف الجوخ ، ووضع على راسه الطربوش ذا البندول ، وكان قد استدعى فتاة صغيرة من العاملات فى المشغل لتحمل سبت الطعام ، واخذت القافلة مكانها فى الترام ، ووجدت نفسها مع الضحى داخل " الجنينة " …ز أمام قفص البغبغانات …..
 
وانتقلا من قفص لقفص وكأنما أحست للمرة الاولى أنها تحب زوجها فتعلقت بذراعه ، ومس قلبها طربوشه المائل على الحاجب والزر الذى يتحرك دون توقف كانه قرط فى اذن غانية . وتحت ضوء الشمس رأها – كانما للمرة الاولى ! – واعجبه قوامها المائل الى السمن وبشرتها البيضاء يزينها ذلك الطلاء الوردى الذى وضعته على الوجنتين السمينتين ، وسارا وكانما عاشت حتى انتهيا الى قفص الضبع ، ووقفايتأملان هذا الحيوان العجيب الذى يقضى عمره سأئرا فى قفصه من طرف الى طرف ، بأحثا بحثا ابديا عن فرجة يخرج منها وكلما انتهى الى طرف لم يجد الفتحة التى يبتغيها ، وخيل اليه انها فى الناحية الاخرى ، فمضى اليها ، ثم أرتد عنها خائب الرجاء ، وهكذا ساعة بعد ساعة ويوم بعد يوم ..... الى أخر العمر .... وكانت هناك أمراتان من ذوات الملاية اللف تتأملان هذا الحيوان السائح الذى لا يمل السير ...... وكان هناك فى أخر القفص ضبع أخرى مستلقية مستغرقة فى النوم ، تاركة الاخرى تروح .... قالت أحدى المراتين : - عجيبة ... ضبع نائمة لاتكاد تتحرك .... وضبع سائرة لاتكاد تقف فقالت الاخرى : - هذه النائمة هى الذكر والسائرة التى لاتمل هى الانثى ....... - حسبت العكس ... - ان انثى الضبع اقوى انثى فى الوجود .... انها لا تحتمل اى ضبع اكثر من يوم .... ثم تبحث عن غيره ، هذا الضبع الذى ترينه مستلقيا هناك ضبع هالك لا يصلح الا للاكل والنوم ...... وهى الان تبحث عن غيره .... لهذا تتمشى من اليمين ...... انها لا تهتم للاكل ، بل تتركه لهذا المسكين .......... - غريبة ..... لا تاكل ابدا .......... - تأكل ..... ولكن هذا لا يهمها ... انها تعيش عادة فى الجبل ........ وهى تجن اذا لم تجد ضبعا خلال اسبوع ......... - أن الجنون لا ينقصها فيما أرى ... كيف تجن أكثر من ذلك ....؟ - علامة جنونها أنها تنسى جنسها ... تنسى أنها ضبع ، وتحسب نفسها أدمية ، وتمضى تبحث عن الرجال .... فاذا وجدت رجلا لم تفترسه ، بل تحنو عليه كما تحنو الام على ابنها وحملته الى كهفها ..... - تحبسه هناك ؟ - نعم .... لا تؤذيه ابدا .... وتظل راقدة عند قدميه الى ان يموت من الجوع ، لانها لا تسمح له بأن يخرج ليلتمس طعامه ......... انها تأتيه باللحم وتلقى به اليه ، حاسبة أنه يعيش عليه كالوحوش .... وينتهى به الامر الى الموت ..... فتدفنه وتخرج لتبحث عن رجل جديد .... - وكان الحارس يستمع الى هذه الاسطورة ، فأمن على كلام المراة ، وأراد علمه الغزير فقال : - ..... ولولا ذلك ما استطاع الصيادون ان يصيدوا ضبعا واحدة ...... أن صيدها لا يكلفهم اكثر من انتظارها فى ركن من أركان الجبل ........ فاذا رأت الصياد ثبتت عيونها فيه ثم ركعت عند قدميه ....... ثم تنهض وتسير الى جحرها وهو وراءها ..... حتى اذا وصلا الى هناك احتال حتى يقيدها بحبل معه ....... ويعود بها .........
 
وذهلت رسمية وهى تسمع هذه الاعاجيب ...... ونظرت الى زوجها وازدادت بذراعه تشبثا ... ثم رأت الضبع تطيل النظر الى زوجها ........ ثم جلست على الارض تجاهه .... ومدت يديها ووضعت رأسها عليهما ..... بالضبط كما قال الرجل .... والتصقت رسمية بزوجها واخذت تجذبه ..... ليبتعدا عن ذلك المكان ........ وقالت المراة التى كانت تتحدث موجهة الكلام الى سى عبده ....... أبعد من هنا الان .... الا ترى كيف تنظر اليك ... لو مكثت مكانك قليلا لرايت وجهها ينتفخ فتضعه بين القضبان ......... ولا يزال ينتفخ حتى يلين الحديد ويتسع فتخرج لتأخذك .... وأرتعد الرجل ..... وصرخت رسمية وابتعد الرجل .... وصرخت رسمية وابتعدا عن القفص ، وانطلقا فى ذعر ....
 
فى ناحية بعيدة جدا عن قفص الضباع جلسا . كان الخوف لا يزال يتمشى فى أوصالهما ، وحاول هو أن يتشجع ويظهر استخفافه بالامر ، ولكن عينى الضبع مازالت فى خياله ، انها تنتظر اليه .... وهذا وجهها ينتفخ وينتفخ ..... والحديد يلين .... واخذت دقات قلبه تتسارع .... واراد أن يخفى خوفه فقال : - كلام فارغ ..... ! أنا لا أصدق هذا ..... فلم ترد .... كانت منصرفة الى أخراج الطعام من السبت .... واستطاعت بعد جهد ان تسترد بشرها ... وتحرك الجوع فى نفسها ، فنسيت ما خالطها من الروع .... واقبلت تقدم الى زوجها الطعام .... وتاكل هى ايضا .... وبعد قليل كان قد سرى عنهما ، ومضيا يلتهمان الطعام التهاما ..... واخذت هى تتندر بقصة الضبع التى وقعت فى غرام زوجها ... وحاول هو أن يتفكه بالموضوع ،فتعثرت النكته من فمه ثقيلة لا تبعث على سرور .... فسكت ..... ومضى يأكل ...... ومرت أمراتان من طراز بلدى اصيل انيقتان فى هذه الحدود التى تسمح بها " الملاية اللف " كلتاهما أميل الى السمن منهما الى النحافة ، وعرفت كل منهما ذراعا ابيض سمينا يتالق فى الضوءبما عليه من " غوايش " ذهبية تمتد من الساعد الى المرفق ..... كانتا تسيران كأنهما شبحان اسودان يتسللان فى الممرات وبين الاقفاص ..... ووفقفنا على مقربة من رسمية وزوجها والخادم ، ونظرت احداهما اليهم ....... ثم قالت تخاطب صاحبتها : - سليهم .... ربما كان معهم ماء ........ ثم قالت موجهة الخطاب اليهم ، بهذا الاسلوب البلدى المعروف : - والنبى يا ست ما عندكوش شربة ميه ....... ونظرت رسمية الى زوجها ، ثم قالت : - تفضلى ....وأقبلت المراتان تتبختران ، وتناولت أحدهما زجاجة الماء من رسمية وشربت وقالت الاخرى : - الماء كله ليس نظيفا هنا ...... ونحن لا نحب الكازوزة ونظر سى عبده الى هذه الحسناء البلدية التى رفعت البرقع بيدها لتشرب ، ثم قال وعيناه مثبتتان فى وجنتيها الغليظتين : اتفضلوا ... والله اتفضلوا ....... معنا طعام كثير....... فنظرات اليه بضع ثوانى ثم قالت : - تغدينا ...... اكلنا فى البيت قبل أن نخرج ....... فقال دون ان يهبط ببصره عن وجهها : - حلفت بالله الا تفضلت وقالت المراة الاخرى تخاطب صاحبتها : - أقعدى بقى يا اعتدال .... دقيقتين ونقوم ...... دول ناس طيبين قوى ...... وجلستا ..... ورفعتا البراقع ، وبان وجهاهما السمينان ، ونظرت رسمية الى زوجها فاذا عيناه تنظران الى وجه اعتدال ، وابتسمت هذه الاخيرة ، وقالت وهى تمضع قطعة من اللادن : - أنا شفتك مش عارفه فين .......؟ فجمع ما لديه من ظرف وقال : - انا خدامك عبده حسنين الموجى صاحب فابريكة قمصان هاى – لايف – باين عليك ابن ناس طيبين ....... برضه انا باقول انى شفتك .... مش الورشة بسم الله ما شاء الله فى شارع كده على اليمين فى الموسكى .... - أيوه ياستى ....... الورشة وصاحب الورشة خدامينك واتجهت المراة اليه بكليتهما ، وثبتت عينيها فى وجهه كانهما تلتهمه . ومضى الحديث بينهما كانه كرة يتبادلانهما دون أن يستطيع أحد أن يقطع عليهما الحبل ........ ونظرت رسمية الى زوجها ، فقرات فى وجهها شيئا حزينا بالنسبة لها .
 
كان مستغرقا فى النظر الى هذا الوجه الغريب .... وكانت تلك الدخيلة تنتظر الى زوجها لا تكاد تحول عنه بصرها . كانت تتكلم فى رقة وظرف ، وتاكل فى خفة ومرح ، وتحرك يديها فى رشاقة لا تخلو من فتنة .... وخيل اليها أن زوجها نسى ما حوله ، وأن عقدة لسانه قد انحلت ، فهذا الرجل الذى لا يكاد يتكلم كلمتين فى بيته يسترسل فى الكلام ببلاغة تدعو الى العجب ، ويضحك مل شدقيه دون حرج .... ويتظرف ، ويترقق ، ويطيل النظر الى وجه اعتدال حتى ليكاد يلتهمها التهاما ... وهى تنظر اليه نظرا طويلا هادئا .... وخيل الى رسمية انها ترى وجه هذه المراة ينتفخ ..... وينتفخ ..... وعادت الى ذهنها – دون أن تدرى – صورة الضبع ، تلك التى كاد وجهها أن يحطم قضبان الحديد وحاولت أن تضع نفسها فى مجرى الحديث ، ولكن زوجها لم يحفل لها ، وبدات المراة الاخرى تجاذبها بعض الكلام ، كانها تحاول ان تشغلها عن زوجها .... وحاولت رسمية مرة أخرى وثالثة ، دون جدوى .... فاستسلمت أخر الامر الى المراة الثانية ، ومضت تتحدث اليها دون أن تضعى الى شىء .... وعيناها مثبتتان فى ذلك الوجه الابيض السمين الذى بهر سى عبده واستولى عليه استيلاء وقالت اعتدال على حين فجاة : - ما رايك فى أن نتفرج قليلا فأسرع سى عبده ونهض .... وسار الى جانبها ، وترك زوجته تجمع بقايا الطعام وتدسه فى السفط ، وتناوله دون وعى الى الصبية ، وقامت تلاحق زوجها وتلك التى تريد أن تهرب به ، والمراة الاخرى تلاحقها وتشغلها بالحديث سارت خلف زوجها كانها تسير فى جنازة ...... كانت ترى هذه العابثة السمينة تمسك بذراعه بين الحين والحين ، وكلما مست ذراعه مال عليها ميلا شديدا ، وأحست المسكينة بنار تتلظى فى صدرها ، وودت لو جرت بأسرع ما استطاعت ، وجذبت هذه المراة الى الارض ، ومزقت وجهها ولحمها بأظرفرها وأسنانها أيضا !... وكانت المراة الاخرى تسير الى جانبها وتحاول أن تصرف انتباهها بحديث متشعب ، وكلما لاحظت انها تشتد فى خطوها امسكت بذراعها تستمهلها ، وترجوها أن تتريث بحجة أن الما فى ساقها يمنعها من الاسراع ! وخيل اليها وهى تحاول الاسراع فى سيرها أنها ترى الضبع تسير نحو جحرها ..... ووراءها الصياد ... بالضبط كما قال الحارس فى الجنينية وعند نقطة ما من الطريق وقفت اعتدال ، ووقف سى عبده يتحدثان فى شى يشبه الهمس ، ثم أدركتهما رسمية والمراة الاخرى ، فتوقفنا عن الكلام ، ونظرت الزوجة فى وجه غريمتها فاذا هى تبتسم ابتسامة غريبة للزوج ، بل خيل اليها أنها تغمر له بعينها غمزا خفيفا ........... وتوادع الجانبان : سلمت المراتان على رسمية وزوجها ،وانصرف كل فريق فى طريق ... وسار سى عبده الى جانب زوجته صامتا على عهده ، عاد الى صمته ووقاره الثقيل ، حاولت أن تستدرجه الى الكلام فلم تفلح ، فلاذت بالصمت حتى وصلا البيت . لم يكادا يستقران فى الغرفتين حتى طلب اليها أن تعد له جلبابا جديدا وأن تدفىء له شيئا من الماء ليحلق ذقنه فبهتت ، وسالته : - خارج أنت بعد تعب اليوم كله ؟ فقال فى وقاره المتكلف : - هذا ليس شانك .... لدى موعد فى المقهى مع بعض التجار فاعدت له الماء ، ونهض فحلق ذقنه وتعطر ، ثم انتقى احسن جلباب فى خزانة ثيابه ولبسه ، ولبس المعطف والطربوش ، ووضع منديلا حريريا فى صدره .... ثم خرج يتبختر دون ان يحفل بالقاء كلمة اليها .
 
كانت تعلم الى اين يذهب ! لم تكن بحاجة الى أن تسمع ذلك من فمه ، فان كل شىء كان يهتف بأنه ذاهب الى ..... هناك ! فرغت على عجل من شئون بيتها ، وأوت الى فراشها تطلب النوم الهارب ماكان جفناها ليغمضا حتى تتصور – لا تدرى لماذا – منظر زوجها داخل وجار الضبع يتهافت من الجوع ... والضبع راقدة بالوصيد ، يداها ممتدتان امامها وراسها على اليدين . وعيناها تنظران الى المسكين ... على نفس الهيئة التى وصفها حارس الجنينة كلما تمثل لها هذا المنظر ، هبت قاعدة فى فراشها ، ومضت تبكى وأخذ الخوف يملك عليها نفسها خيل اليها فى ظلام الليل ورهبة السكون أن الضبع تدس راسها فى فرجة من الباب ، وان وجهها ينتفخ ويحطمه وأنها تدخل ، تتشمم فى الحجرة بنفس عال مروع .... باحثة عنها .... غريمتها وخطر ببالها أن تعود الى المسكن الاخر ، حيث تسكن حماتها لتستغيث بها ، ولكنها لم تجدها .... فخرجت من مسكنها وجلست على السلم وانقضى من الليل هزيع ......... وبدات نسائم السحر البعيدة تهب .... وتصايحت الديكة صيحات الفجر الكاذب بعيد منتصف الليل . فشعرت بعض الاطمئنان وغفت عيناها لحظات وهى جالسة على بلاط السلم البارد وأفاقت على وقع خطى صاعدة ، فنهضت تجرى الى مسكنها ، وأغلقت بابها فى رفق .... ودخلت فراشها وتصنعت النوم ودخل زوجها ، ومضت تراقبه من بين أهدابها .... كان يترنح ، خيل اليها أنها تشم رائحة غريبة ، شى ما فى نفسها قال لها أن هذه هى رائحة الخمر .... للمرة الاولى رأت رجلا يترنح من تأثير السكر ..... كان المسكين لا يستطيع أن يقوم على قدميه ......... خلع المعطف على الارض ......... ثم جلس على حافة السرير وخلع حذاءه ....... ثم استلقى يريد أن ينام ....... بعد دقائق نهض مسرعا وجرى الى دورة المياه ، وسمعته يلهث وهو يفرغ ما فى بطنه وعاد الى فراشه ونام ... ونامت هى الاخرى كانت الساعة قد اوفت على التاسعة حينما فتح عينيه ، فوجد رسمية تنظر اليه وفى عينيها شى من حيرة وعلى شفتيها ابتسامة باهته . تجهم وجهه على عهده من الوقار المتكلف وقال : - ماللك ؟ لماذا تنظرين الى ؟.......... - كنت حيرى ......... أوقظك أم أدعك ترتاح ؟ - ارتاح ؟ مم ؟ .... مما حدث لك بالامس ........ فنهض فى فراشه وقال فى حزم متكلف : - وماذا جرى لى بالامس ؟ - أقصد .......... لا شىء ، لا شىء ونهض من فراشه ، وذهب فغسل وجهه واستعد للخروج ، واعدت له شيئا يأكلله ، فلم يمسه ، كان يشعر بصداع شديد ، وقال لها وهو يضع الطربوش ويميله : - حذار أن تقولى مرة أخرى ......... نذهب الى الجنينية ! فابتسمت بوجهها كله ، وقالت وكانها تعبر عن أمنية كبرى : - مستحيل ، خلاص ، توبة ياربى !!!!!!!!!!!!!!!!!!!



Comments (1)
1. 12-04-2008 15:14
بلبيس محافظة الشرقية
ما اجمل ان يعيش الشخص بخياله وعقله ويتعمق بافكاره داخل زمن بعيد مضى عليه وهو يسمعه وحينما يقراه يشعر وكان الحلم حقيقى ملموس ذلك الفترة التى مرت سواء على ابى او حتى جدى فكانى اعيش معهم فى تلك الفترة انه شعور جميل

أكتب تعليقاً
  • يرجى مراعاه ان يكون التعليق ذو صلة بموضوع المقال.
  • الهجوم و التعديات الشخصية سيتم مسحها.
  • لا تستخدم التعليق للأعلان عن موقع. و مصل هذه التعليقات سيتم مسحها
الاسم:
بريد اليكتروني
العنوان:
التعليق:

كود:* Code
اود الاشتراك بالاعلام البريدى عند اضافة تعليقات اخرى

Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6
AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com
All right reserved

آخر تحديث ( 01/04/2008 )
 
< السابق   التالى >
 

مصر   حتى   اذا   كما   ولكن   فقد   غير   سنة   بها         وهى   الثورة   اليه   اليوم   منها   الا   ومن   عليها   الان   وكانت   يكون   الله   قال   العربية   يوم   بعض   العالم   لان   تلك   الرجل   الملك   قصة   الناس   منذ   الذين   شىء   عام   نفسه   الحياة   أما   اليها