وكانت " دلال " دونه بعامين أخرين ، أو اكثر قليلا عدت ذات يوم الى بيتنا فى القرية ، فوجدت " دلال " تكاد تذوب فى مرجل من دموعها المحرقة
ولم تجب المسكينة ، الا بمزيد من الدموع وسمعت فى الغرفة المجاورة صوتين ، أحدهما صوت أبى ، والاخر صوت أبن عمى " غراب " وفهمت كل شىء ....... لقد جاء غراب الى عمه ، يطلب يد دلال . وتطلعت " دلال " الى فى نظرة تستغيث بى :
- أترضى لى هذا المصير ؟ فربت على كتفها ، وهمت بأن اقوم الى الغرفة المجاورة ، حين سمعت أبى يقول لابن أخيه :
- انتظر يا ابنتى .... حتى أشاور الاستاذ فى الامر الاستاذ ..... الذى هو انا طبعا واستاذان أبى وترك ابن اخيه فى الغرفة المجاورة ، واغلق الباب وراءه ودخل علينا ، وتطلع الينا وهو يجاهد نفسه نفسه لعله يجد مدخلا للحديث على اننى وفرت عليه مشقة القول قلت له :
- أستغفر الله .... الراى لى والكلمة لك وانسحبت " دلال " من مجلسنا تأدبا .... الم أقل لك أن سماعى البريد قد أخطا العنوان ؟ وقرات الحيرة على تجاعيد وجه الشيخ ، فقلت له :
- يأبى ..... انت بالنور الذى فى قلبك ، تدرك أن " دلال " لا تصلح لغراب ، وان غراب لا يصلح لدلال .
- أعرف يا ولدى . ولكن ...... ماذا أقول له . وهو ابن اخى ؟ وماذا أقول لاخى ؟ ودفعت أبى فى رفق الى غرفة داخلية ، وراء ابنته ،
وقات له :
- أنا الذى سأقول كل شى ودلفت الى الغرفة المجاورة ، التى فيها غراب ، وحييته ، ثم جلست فى مواجهته أحاول أن افتح الحديث ولم تكن تنقصنى أية حجة فى رفض مطلبه . ولكن .... كيف أسوق له هذه الحجة ؟ كيف أترجمها له بلغة مقبولة ؟ أقول له أنه جلف ........ حيوان .... جاهل ..... وهى انسانة رقيقى ناعمة مهذبة ؟ مهمة تحتاج الى شىء من الوقت قلت له :
- يا غراب ........ أنت أخى ..... ولن تجد دلال خيرا منك . ولكنى أستاذنتك فى مهلة أيام ، حتى أبلغتها النبا وأشاورها واربد وجه غراب ، وانتصب قفاه وقال فى عنجهية كعنجهية أبيه :
- ومتى كان للمراة عندنا راى بعد راى الرجال يا ابن العم ؟ وترفقت فى الحديث اليه :
- أنت تعلم يا غراب أننى لا أعترض عليك ..... ولكنك تعلم أنك ........ متزوج .....ولك أولاد .......
- متزوج ؟ الشرع يبيح لنا أربعا ...... الم تدرس الشرع فى المدرسة يأ أستاذ ؟
- بلى ........ ولكن دلال لا تزال صغيرة .... وهى تقراء وتكتب ......... كما تعلم
- هذا أكبر عيوبها ..... ولن اسمح لها بأن تقرأ أو تكتب !
- هذا اذا تم الزواج
- أتعنى ......
- لا أعنى شيئا ....... وأنما هذه المسائل قسمة ونصيب يأأبن العم
- أنت أفسدتها بالعلم يا استاذ وسكت غراب قليلا ، ثم نهض من مكانه وهو يبرطم :
- على اية حال ......... سأعود اليك بعد أسبوع وانتهت المهلة ........ وكانت عجائز الاسرة خلالها يتنقلن بين البيوت ، ويلقن ما هنا الى هناك ومن ين ما نقلن من أن " دلال " لا تنقطع عن البكاء ، وان اخاها الاستاذ
- الذى هو انا – يحميها ويظاهرها وان أباها مستسلم كالدب العجوز وجاء غراب فى موعده وكان التحدى مقرؤا على كل قسمة غليظة من قسماته
وصاح :
- هيه ! فلم أجب .... فعاد يقول فى سخرية بتراء:
- خيرا .... أن شاء الله ؟
- كل ما يقدمه الله فهو خير فضحك غراب ضحكة شريرة ، وقال بتهكم :
- اسمع يا استاذا .... لقد بلغنى أن الرجال فى بيتكم يأتمرون بامر المراة ..... معلوم ..... ما دامت تقرا وتكتب .... لابد أن هناك حكاية
- أية حكاية نعنى يا غراب ؟
- أنت متعلم .... ولا بد أنك تعرف أن من يكتب ..... يكاتب
- أفصح قليلا
- أتريد أن أفصح ؟ حسنا بصراحه ..... لابد أن اختك ، اذا ترفضنى ، متعلقة برجل أخر وعند هذه الكلمة .... تخلى عنى كل حلم ، ونهضت اليه أساله :
- ماذا تقول يا .........
وتحشرجت اللعنة فى حلقى فابتسم ابتسامة وقحة ، ونهض هو الاخر من مكانه ليقول لى :
- أقول ، لابد انها على علاقة برجل أخر .... هذا أخر الكتابة والقراءة !
- أختى ..... على علاقة برجل أخر ؟ هنا ........ هنا فقط أدركت أن جرثومة التقاليد شىء فى الدم لا يقتلها علم ولا ثقافة ولا حضارة ولا منصب لا أذكر اننى فكرت .... ولست أدرى ماذا فعلت .... ولكن يدى تحركت وحدها ، فاخرجت المسدس من جيبى الخلفى وأفرغت كل ما فيه فى رأس غراب !
وعشت بعد ذلك فى غيبوبة الى أن وجدت نفسى – أنا خادم العدالة – أمام العدالة ، متهما بقتل غراب ! ووقف أبى المسكين أمام محكمة الجنايات .... وبالنور الذى فى قلبه وبالايمان الذى يملاء نفسه قال للمحكمة :
- والله العظيم أقوال الحق أن ابنى احمد قتل أبن أخى غراب وصدر حكم المحكمة بالاشغال الشقة المؤبدة وكان وجوم ..... لم تقطعه الا همسة ظالمة من عمى الى أبى :
- أيها الجبان ..... أتشهد على ابنك ؟ همسة ظالمة .... حسبتها فى اول الامر اشفاقا من هذا الجلف ........ حسبته تبدل واسترد انسانيته المفقودة ولكنه راح يتم همسته الشريرة :
- أيها الجبان شهدت عليه لتسلمه الى العدالة ...... ولتنقذه من يدى .... من الثار ...... من الدم الذى اصبح بينى وبينك ..... نحن صعايدة ... لا نعترف بأحكام المحاكم ....... القانون فى يدنا ........ والقانون عندنا هو الثار ! وبنفس النور الذى فى قلبه ، وبالايمان الذى يملاء نفسه ، قال أبى المسكين :
- لا ياأخى . لقد شهدت على ابنى لا لانقذه .... بل لتاخذ حدود الله مجراها .... أما الثأر يا أخى . فاليك ولدى الاخر وأشار أبى الى اخى مهدى .... وفى جوف الليل البهيم ... نفذ قانون الصعيد ، وذهب أخى مهدى مع الريح أما الشيخ المسكين ......... أبى .... فقد تلفت حوله ، فوجد ولديه واحدا فى الليمان ، والاخر فى ذمة الله فرفع عينيه الى السماء ، وقراء الشهادتين ، أسلم الروح وبقيت أختى دلال عذراء ، حتى اليوم . فى السادسة والثلاثين لقد وهبت شبابها الذاهب لانتظار أخيها – أنا - حتى يخرج من الليمان ليثار لدم مهدى ...... وساخرج اليوم ...... لا الى الحياة بل لتبداء القصة نفسها من جديد !
- سأثأر لمهدى الليلة ...... وسيثارون منى غدا ......... أنا قاتل ومقتول .......... أنا هالك لا محالة .... محكوم على بالاعدام منذ سبعة عشر عاما ...... والتنفيذ اليوم .... أو غدا على الاكثر ! أطلبوا لقومى الهداية ، والتوبة عن الثأر !