|
لفظه
التاكسى وانطلق مثيرا عاصفة من الاغبار ، واتجه دانيل ماسون الى الباب الكبير
والافكار تدور فى راسه ... هذه هى المرة التى تطأ فيها قدماه أرض جواتيمالا ،
ولولا انه صديق مخلص ذلك الذى نصحه بالمجىء اليها لما جاء ... وقد نصحه ذلك الصديق
بألا يلجأ الى فندق أو يؤجر بيتا ، بل يؤجر حجرة مع أسرة تقوم على خدمته ، لان
مرضه ، الذى جاء يستشفى منه لا يسمح له بأن يبذل مجهودا ... أى مجهود وملادانيك
رئتيه من هواء جواتيمالا وضغط جرس الباب الكبير أمامه .
وفتحت الباب صبية لها لون البن
المحروق ، ووجد نفسه يخطو الى حديقة جميلة تحيط بفيلا أنيقة كانت الحديقة جنة بعد
عناء القطار والطائرة والتاكسى ، وقبل أن يبحث عن مقعد سمع صوتا كالهمس يقول :
- مرحبا بالسيد دانيل ... تفضل
بالدخول وتلفت دانيل ليجد سيدة تجاوزت ربيع عمرها واقفة كأنها تمثال أغريقى نبض
بالحياة ، لا شك أن هذه هى مس هيل التى قال عنها صديقه فى نيويورك ومد دانيل يده
ليصافحها فلمس منها أنامل رقيقة ، ثم أستلقى على مقعد وثير بينما استطردت هى قائلة
:
- يجب أن أقول لك اننى لست مس هيل
حتى لا يحدث التباس ، أنا ديانا والتنج ، أما فيرونيكا هيل فهى فى الخارج الان فى صحبة
الكابتن كوكس ... انها تنسى مسئولياتها عندما يطويها تحت أبطه ويخرج بها للنزهة ،
والحقيقة أنه يغرى ...
وأحس دانيل انها ستتحدث شهرا أن لم
يمنعها من الثرثرة ، وذكرته ثرثرتها بفتاته التى تركها هناك فى أرض الوطن ، الفتاة
التى تعلقت بها أماله فلما تبينت أنه مريض ركلته وتزوجت رجلا أخر . وتحدث دانيل
ليمنعها من الاستطراد .... قال :
-
أنا دانيل ماسون . محام .
فابتسمت ديانا . كأنما تذكرت انها لم تتح له فرصة يقدم نفسه اليها ، وقالت :
-
لابد أنك متعب ... يجب أن
أريك حجرتك ....
وتبعها
دانيل الى الفيلا ، كانت حجرته أنيقة بسيطة ، كان لجوار فراشة مصباح غاز يحتضر
النور فيه ، فتطوعت ديانا بملئه بالغاز ، وأغراه هذا بالقراءة ، فأخرج كتابا من
حقيبته ، وغادرت ديانا الحجرة قائلة له أنها تفضل أن تتركه يستريح ، وكان الفراش
وثيرا ، يغرى بالنوم ، ولكنه أثر أن يمضى الى الشرفة ليلقى نظرة على المدينة
الجميلة ....ولم يكد دانيل يقف فى الشرفة حتى سمع همسا فى الطريق ، وحدق النظر فى
الظلام فرأى رجلا طويل القامة ينحنى كالقوس على فتاة ... ولم يتبين دانيل ملامح
الفتاة وانما أحس أنها لابد فتنة ، والالما جازف الرجل الطويل بتقبيلها فى طريق
عام وهو فى زى ضباط الولايات المتحدة !
وافترق
الشبح ، ولكن مندوب الولايات المتحدة ناداها قائلا :
-
فيرونيكا ....
وعادت
فيرونيكا اليه ، فاحتواها بين ذراعيه ثانيا ، وخيل لدانيل أنه يسمع عظامها تحدث
صوتا من شدة ضغطه ، ثم ابتسم حين عرف أن هذا الصوت كان ، لقبلة محمومة ....
وانفلتت
فيرونيكا من بين يدى الضابط وابتعدت وهى تقول :
-
يجب أن أذهب الان ، عندى
ضيف يجب أن أعتنى به ....
واهتز دانيل فرحا لان فيرونيكا أثرت
العناية به على القبلات ، ومضى لحجرته ، وأمسك الكتاب ليقرا ولكن الافكار صرفته عن
القراءة ...
ومضت ثوان ، ثم سمع طرقا خفيفا على
الباب فقال :
-
تفضل وفتح الباب فى هدوء
، ووقفت على عتبته فيرونيكا ، وقدمت نفسها قائلة :
-
سعدت مساء يا مستر دانيل
، لعلك أعجبت ببلدتنا ، ولعلك وجدت كل شىء فى الحجرة على ما يرام فقال دانيل فى
خبث :
-
حقا أن كل ما فى بلدتكم
جميل ، وقد حاولت أن أكتب خطابا لاهلى أضف فيه هذا الجمال فلم أجد مدادا فدارت
فيرونيكا بعينيها فى الحجرة حتى عثرت على المحبرة ، وأمسكتها بيدها فوجدتها جافة
فقالت :
-
لقد تركتها فى الصباح
وفيها بقية مداد ... لابد أنها جفت لان جو بلدتنا حار كما تعلم ، وهنا قال دانيل
متسائلا :
-
تركتينها فى الصباح ؟
فقالت
فيرونيكا كأنما تعترف بذنب :
-
أعنى أننى ... أننى ، أنك
فى حاجة الى كوب من اللبن الطازج قبل أن تنام فأجابها دانيل كأنما : يضيق عليها
الخناق :
-
ولكنى لن أكتب الخطابات
باللبن ... أنى أريد مدادا وبانت الثورة فى عينى فيرونيكا من طريقة حديثة ، وتصاعد
الدم الى وجنتيها يؤيد الثورة فى عينيها ،
واستدارت
لتخرج من الحجرة وهى تقول فى عنف :
ستجد كلى
شىء كما ينبغى فى الصباح ... يا سيد دانيل وفى الصباح وجد دانيل زجاجة ضخمة من
المداد على مكتوب صغير ...
فابتسم
وهو ينظر فى المراة وقال :
-
يالها من فاتنة عنيدة
.....
وكانت
شمس جواتيمالا قد سطعت فى البلدة فالتهم دانيل افطاره على عجل ، واستلقى على مقعد
فى الحديقة ، ومرت به ديانا عدة مرات ، فتظاهر بأنه نائم ، ومضى يراقب حركاتها
وسكناتها من بين أهدابه ...
وتناول
طعام الغداء وعاد للحديقة ، وتحدث بعبارت عابرة الى ديانا وفيرونيكا ، ولاحظت مس والتنج
أنه عزوف عن الثرثرة ، ولاحظ هو أن فيرونيكا بدورهاعزوفة عن الثرثرة لانها مشغولة
بأعمالها ... وربما تكون غاصبة من تصرفه أمس ! ومضت الايام على هذه الوتيرة ، هى
فى هروب دائم من الحديث مع ديانا ، وفيرونيكا فى انصراف عنه .... الاانه لمح أن
ثورتها عليها تبددت ، ولمح منها حنوا عليه ، وذات صباح سارت ديانا الى مقعده وقالت
:
-
اننى أدعوك الى الشاى فى
الساعة الرابعة يا سيد دانيل ، سيكون مع فيرونيكا وكابتن كوكس ...
وابتسم
دانيل وهو يقول :
-
يسعدنى هذا
..............
واختفت
الابتسامة من على شفتيه سريعا ، فقد دقت عبارة كابتن كوكس رأسه ثانيا ، ولكنه قدر
أن حفلة الشاى ستكشف له الكثير عما يخفى عليه ....
وفى
الساعة الرابعة ، قامت فيرونيكا بمهمة التقديم ، وقامت ديانا بصب الشاى فى الاكواب
، وقد ابتدره كوكس قائلا :
-
لقد سمعت أن السيد دانيل
مريض مع أنه يبدو كما لو كان يستعد لمصاعة فقالت فيرونيكا :
حقيقة ... لايبدو على دانيل انه مريض ، ولكن المرض
كان واضحا عليه فى أول يوم جاء فيه الى هنا ، كان كالهيكل العظمى ...
واشتركت
ديانا فى الحديث قائلة :
-
انه الطقس الجميل الذى
تقدم بصحته فعلق كوكس قائلا وهو ينظر لفيرونيكا فى اعجاب :
-
والعناية الممتازة ...
وهنا قال
دانيل :
-
والايحاء ... اننا ال
ماسون ، نستطيع أن نتغلب على أخطر الامراض ، بالايحاء ، انه العلاج الوحيد الذى
تستطيع أن تقدمه لنفسك دون استشارة طبيب ... وانتقلوا من حديث المرض الى الحديث عن
البستانى فيتوريو ، الذى يغار على زوجته غيرة عمياء ، ومن أجل هذا يظل يراقبها
طيلة النهار ولا يعتنى بالحديقة ....
كأنما
كانوا يتحدثون فى فينوريو وهم على موعد معه اذا سرعان ما ظهر فى الحديقة وهو يجرى
وفى يده نصل حاد وفى عينيه شر ، وكان يجرى أمامه شاب قوى ... لابد أنه كان يغازل
الزوجة وضبطه فيتوريو ....
وقفز
الاربعة من أماكنهم ، وكانت فيرونيكا أول من تصدى للشاب ليحميه من نصل فيتوريو ،
وفى هذه الاثناء كان فيتوريو قد قذف بنصله فاستقر خطا فى ساق فيرونيكا ، وأفلت
الشاب ووقعت فيرونيكا على الارض وأخذ الدم ينزف من ساقها .............
حدث كل
هذا فى ثوان ، وسارع كوكس فأمسك بفتوريو وراح يكيل له اللكمات القاسية ، أما دانيل
فقد أنثنى يعالج سلق فيرونيكا ، وحملها على ذراعيه الى فراشها وهو يطمئنها بأنها
بخير ، وأن الجرح سطحى وسرعان ما يلتئم ......
وبدات
فيرونيكا فى ضعفها فاتنة ....
كما بدت
تماما خلال ثورتها عندما رأها لاول مرة ، وخيل اليه أنه يقرا شيئا فى عينيها ،
شيئا غير الثورة عليه ...
واقتحم
كوكس الحجرة وبدا كأنه انتهى من معركة حرية كللت بالنجاح ...وقال :
-
لو كنت مكانك يا فيرونيكا
لارسلت هذا الرجل فيتوريو الى السجن ...............
فقالت
فيرونيكا وهى تتكلف الابتسام :
-
كفى ما سددته اليه من
لكمات ، أننا على كل حال فى حاجة اليه .....
انه رجل
يحمينا ، أنا وأمى ، من اللصوص عندما لا يكون فى البيت رجال وفغر دانيل فاه دهشة ،
فقد كان الى هذه اللحظة لا يعرف أن ديانا هى أم فيرونيكا ، وهزه أنهما يبحثان عن
رجل يحميهما ، وخيل اليه أنه سيكون هذا الرجل ، لان كوكس كما علم من ديانا – لا
يزورهما غير مرة فى كل اسبوع ..............
هكذا
انتهت حفلة الشاى ....................
أضافت
كمية هائلة من المعلومات الى رأس دانيل ، وأودعت فى صدره أملا جديدا .........
أملا لا تشوبه غير شائبة واحدة هى الكابتن كوكس ومضت عدة أيام قبل أن يلتئم جرح
فيرونيكا أحس خلالها دانيل أنه اقترب من قلب فيرونيكا ، ولكنه كان يعود فيحس أنه
بعيد عن هذا القلب بفراسخ وأميال عندما تقف عربة الكابتن كوكس عند الباب ، ويترجل
كوكس حاملا حزمة من الزهور الجميلة لفيرونيكا وفى اليوم الاول الذى استطاعت فيه
فيرونيكا السير على قدميها فضلت أن تخرج لترى المدينة ، وكان هذا الخاطر يجول فى
صدر دانيل ، ولكنه كان يرجئه حتى تشفى فيرونيكا ، وفضل أن يدعها تخرج ، ثم يخرج هو
بعدها حتى لاتظن أنه يفرض نفسه عليها وقد كان .... ومضى دانيل يسير على غير هدى فى
شوارع المدينة ، ثم لمح فيرونيكا فجأة تسير وقد أحاطها رجلان وجعلا يوجهان اليها
عبارات الغزل الرخيص ، ولمحته فيرونيكا فنظرت اليه مستغيثة ، وتقدم هو ليفعل شيئا
، ولكنه فوجىء بكوكس يهوى على صدغ أحد الرجلين بلكمة شديدة ... جعلت الرجل اللثانى
يطلق ساقيه للريح ، وقد سقط الرجل الاول على الارض فتجمع الناس حوله ، وشقت
فيرونيكا طريقتها ووجدت دانيل يستوقف طريقها ووجدت دانيل يستوقف "
تاكسيا" ويدفعها اليه ويقول للسائق :
-
بسرعة يارجل .... كانت
فيرونيكا مرتجفة الاوصال ، وقد قالت لدانيل :
-
لابد أنك خرجت تبحث عن
فتاة تصادقها .... أنت وحيد هنا وفى حاجة الى من يملا فراغ حياتك ولاحظ دانيل
الحدة فى نبراتها ، وقرا ثورتها فى عينيها ، كان يحب ثورة الملاك ، ويحب أن يسمع
عبارة يستشف منها أنها تفكر فيه ، أو تغار عليه أو تحبه .... فسألها :
-
ولكن كيف عرفت أننى أبحث
عن فتاة؟....
لانك كنت
مشغولا بالبحث حتى أنك لم تفعل شيئا من أجلى
-
هل تعتقدين أننى المريض
أستطيع أن أفعل مثلما فعل كوكس ؟ انه ثور جبار وأفرطت فيرونيكا فى البكاء وهى تقول
:
-
لا تقل عنه أنه ثور ....
لا تقل عنه ذلك .....
ووصلا
الى البيت ، فدخلت الى حجرتها وهى تجفف دموعها ، وأحس دانيل أن فيرونيكا تحب كوكس
..... وتقلب فى فراشه – قبل أن يأخذ النوم معاقد جفنينه ، وكانت الافكار تدق رأسه
فى عنف .... لماذا سألته فيرونيكا عما اذا كان يبحث عن فتاة ؟ ولماذا بكت حين وصف
كوكس بأنه ثور ؟ ولماذا تعنى به ؟ ولماذا تخرج للقاء كوكسن ؟ ولم يجد جوابا يشفى
حيرته ....
وحين نام
استيقظ عدة مرات ، وكان يخيل اليه أنه استقيظ ليجيب على الاسئلة الحائرة فى راسه ،
ثم لا يجد جوابا فيعالج النوم من جديد وفى
اليوم التالى كانت فيرونيكا متحفظة فى الحديث معه ... ففضل أن يلوز بحجراته طيلة
النهار ، وجاء كوكس فى المساء وأعلن أنه سيقضى الليل عندهم لانه حصل على أجازة ،
ولم يبد على فيرونيكا انها فرحت ، وأودع هذا فى قلب دانيل ارتياحا وغبطة .... ولجأ
كل الى غرفته قبل العاشرة مساء ....
أما
دانيل فلم ينم ، مضى يتسمع الى أصوات عنيفة تأتى من بعيد ، وقد كان يمكن أن تودع
هذه الاصوات الرعب فى قلبه لولا أن قلبه لم يعد يتسع لمشاعر أخرى غير حبه فيرونيكا
ولكن ماذا يفعل ليظفر بقلب فيرونيكا ؟
وراح
دانيل فى اغفاءة قصيرة أفاق منها على صوت طرقات على الباب ، وسمع فيرونيكا تقول :
-
زلزال يا دانيل ..... هيا
وأخراج بسرعة وخيل لدانيل أنه يعانى من كابوس ثقيل ، فعاد يسألها :
-
ماذا تقولين ؟....
-
الامر لا يحتمل الشرح يا
دانيل ، انه زلزال يا حبيبى ، افتح الباب .... وقد تحرك دانيل فلى كسل كأن أمر
الزلزال لا يعنيه ... وقبل أن يصل الى الباب وجد فيرونيكا قد حطمته ، ومدت يدها اليه
لتجذبه ، ووجد نفسه يجرى الى الخارج وراءها .... ويده فى يدها ... يدها الناعمة
الرقيقة كالحرير وكانت قد سبقتهما الى الخارج ديانا أمها ، وفيتوريو ، وزوجة
فيتوريو ، وكانت الطرقات غاصة بالناس فى ثياب الليل وهم يجرون بعيدا عن المساكن
التى قد تنهار عليهم ......
-
وخطر لدانيل أن يسال عن
مصير كوكس ، ولكنه خشى أن يسال فيرونيكا مباشرة فتثور على عاددتها .... فأثر
السكوت .....
ووصلوا
الى الحقول خارج البلدة ، كانت النساء يصلين ، والرجال يبتهلون والاطفال يصرخون ،
أما دانيل فلم يدرماذا يفعل ، وفيرونيكا أيضا الجمت مثله ، ولكنها كانت تضغط يده
فى رفق ....
وجاء
فيتوريو لجوار فيرونيكا وقال لها :
-
أن كوكس هنا ..... لقد
أصيب فى ذراعه حين شرع فى الهروب وجدار البيت يسقط على مقربة منه فأجابت فيرونيكا
فى غير اكتراث :
-
انه يستطيع أنا يتحمل ...
ان له جسم ثور ....ونظرت فيرونيكا فى وجه دانيل وهى تبتسم ..... وفجأة سمعا صوت
فرفعة هائلة فقالت :
-
ان باطن الارض يتمزق
الليلة يا دانيل فقال لها :
-
انى كنت أتمزق أمس يا
فيرونيكا وضغط على يدها فى حنان ، ورفع أناملها الى فمه يقبلها وهو يقول :
-
شكرا للزلزال ... انه
الوحيد الذى استطاع ان يغير مجرى حياته .
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |