|
الكاتب/ محمد عبد الحليم عبد الله
|
|
|
|
كانت ليلتنا فى اولها هني , شاركت فيهها انا و
زوجتى مجتمع القاهرة فى مشاهدة فيلم موسيقى ملون اثار فى نفوس الناس من كل سن ما
حبب اليها الحب فاحس الشباب انهم فى الموسم و احس الرجال انهم قرب لانهاية و احس
الشيوخ انهم فى وقت الحصاد فاغمضوا عيونهم يستعرضون كل ما مضى .
اما انا
فانى احسست تحت الظلام بحركة كفها تتلمس طريقها الى كفى فسلمتها اليها و
جرت فى دمى جنبا الى جنب مع نشوة الموسيقى نشوة عبثها باصابعى , و خيل الى انها
عذراء مستحيية تفعل هذا للمرة الاولى و لما خرجنا الى الطريق العام بعد العرض وجدت
الجو مائلا الى البرودة و السماء قد امطرت
فلمعت الارض و غبشت زجاج المصابيح و و القيتنى فجأة امد يدى الى زوجتى بحرص لاضم
على صدرها ياقة معطفها و لم انتظر حتى اجد
مكانين فى المركبات الخاصة فاكترينا عربة .
و فتحت الباب بالمفتحاح الصغير و دخلنا , و كانت الخادمة غارقة فى النوم , و سمعت
سخيرها و انا مار عليها حيث ترقد قريبا من المطبخ فالقيت عليها غطاء اضافيا لانها
كانت مزكومة ثم عدت الى حجرتى لاخلع ملابسى
كما فعلت زوجتى و لم تشأ هى ايضا
ان توقظ الخادمة من نومها فجهزت لنا عشاء بيدها و كان خفيفا لذيذا تفننت فيه .
و عادت السماء تمطر و نحن على المائدة و وقفت قطاتالمطر على الزجاج المفتوح , و
كنت جائعا لاتهم الطعام بشهية يقظة و ذهن نصف نائم , و مزاج فارقته نشوة الموسيقى و حلاوة السهرة
اما هى , فقد ظلت كما هى يومض كل شىء فيها كما يومض كوكب الزهرة فى سماء الريف و
فى ليلة ظلماء , تأكل و تضحك و تنظر كانها تسال عن افكارى ثم تسكت قليلا , ثم تتكلم فتستعيد ما اعجبها فى
الفيلم من مواقف ثم تترك قدمها لتلمس قدمى من تحت المائدة .. حتى انتهى العشاء .
كل شىء فىذ كان قد خمد و نحن فى الطريق , حين بدات
العربة التى ركبناها فى اجتياز ميدان اهم ميزة فيه ان البيوت المطلة عليه تقفر فى
وقت مبكر كل ليلة لانها آهلة بميدان الاطباء و بدأ قلبى يختلج حين طالعنى فضاء
الميدان ... قد يكون هذا الحادث تافها و لكننا لا نقيس الحوادث الا باثارها فى
انفسنا نحن ساعة وقوعها , لان نظرتنا اليها بعد ذلك قد تتغير .
و اخذت اراقب وجه زوجتى فى ظلام العربة و نحن نعبر الميدان , و ساعدنى شعاع من
الخارج سقط عليها فى اللحظة الحاسمة و هى تميل لتنظر الى نافذة فى الدور
الثالث فى عيادة طبيب و كان الضوء ينبعث
منها على الرغم من ان كل النوافذ حولها
مغلقة كانها اعين غلبها النعاس و حولت هذه
الحركة مجال افكارى قهرا , لكن ببساطة كانها اشارة عسكرى مرور فاخذت
نشوة الموسيقى تتراجع لتحل محلها مشاكل
نشبت فى بيتنا فى فترة من الوقت ثم اختفت حتى خيل الينا اننا نسيناها .
تذكرت يوم فطنت الى انها تتردد على عيادة هذاالطبيب لضرورة و لغير ضرورة و كنت
محرجا فى ان اصارحها بعدم ارتياحى اليه , و هممت الف مرة ان اقول لها ان اطباء
كثيرين من نوعه يملاون المدينة لكننى خفت ان اتهم بالشك و سوء التقدير فالطبيب
امين و هو يصطنع لنفسه الامانة ان لم تخلقها فيه كثرة مزاولته العمل
لكننى كنت اعود فاسال نفسى قائلا : " الم
يحدث ان اعجب احدهم بجمال أمراة و رآها للمرة الاولى و هى مستلقية على سرير الفحص
؟! ثم اسكت فلا اجيب , لاننى شكاك و لاننى حين ذهبت للمرة الاولى معها الى عيادته
لنطلب من الله بنية او غلاما , و فرغنا من عرض المشكلة و فرغنا من عرض المشكلة
بالقول و جاء دور الكشف – حيث حدث هذا وقفت مزروعا فى فضاء الغرفة حائرا لا ادرى
ماذا افعل : أأخرج ام انتظر ؟ و كان الارتباك باديا على زوجتى , فالفيتنى فجأة
اقفل الباب من خلفى و انا خارج .
و الثقة تجعلنا نمنح كل شىء .. فاذا خدعنا من نثق فيه كنا ملومين اذا كان هناك مفر
من منح الثقة , اما اذا فرضت علينا فرضا فالملوم هو الطرف الاخر .. اعنى الذى
وضعنا فيه ثقتنا ! و استمر العلاج و لم تحدث المفاجة السعيدة لمدة عام , بل آلت
الحال الى اسوأ من قبل
حين اصيبت بنزيف كلفنا علاجا و نفقات كثيرة .
اننا قد نتقزز فى بعض الاحيان من افكارنا و نشمئز منها , لكننا لا نجد مندوحة من
ان نسايرها ممسكين بالخيط من اوله حتى نعرف النهاية وذلك عندى خير من ان نساير هذه الافكار لحساب
السلامة و الراحة و عدم القلق , و الا مرضت بها نفوسنا كما تمرض اجسامنا تماما ثم
استعدت النصف الثانى من الحوادث و نحن على المائدة
مناقشات كثيرة متفاوتة من الضعف و القوة ثارت
بيننا كان افظع ما فيها انها قالت يوما : " يجب ان تبرىء نفسك من هذه الوساوس
لان المسألة مسألة ثقة فاما ان يثق الرجل و اما الا يثق ..." و لم تكمل
عبارتها , بل تركت كفيها و عينيها يكملان ما قالت
فخيرتنى بين البقاء و الفرقة ,
لكننى رايت الحل اكثر تعقيدا من الاشكال نفسه لان الثقة على طول الخط اخطر من الشك
على طول الخط , ثم اظهرت اقتناعها بوجهة
نظرى بمرور الايام فاتفقنا .
و كانت تومض فى هذه الليلة على المائدة كانها كوكب الزهرة فى سماء الريف و تضحك و
تاكل و تهىء جونا لليل سعيد غير اننى فى تلك اللحظة كنت استعيد نظرتها الى النافذة
و نحن فى العربة محاولا ان اصل الى حقيقة هذه النفس المتقلبة المثيرة , و قمت عن
الطعام
و انا اذكر آخر الحوادث .. و كان ذلك فى صباح احد الايام .
فتحت يوميذ بيدى احد ادراج زينتها لاخذ شيئامن
الجلسرين كنت محتاجا اليه , و كنت مسرعا اريد الخروج فسجبت الدرج حتى آخره
و وجدت فيه اشايء كثيرة من التى تخص السيدات و وجدته مفروشا بصحيفة من احدى
المجلات و بينما انا افتش فى زحمة الاشياء الموجودة استوقف نظرى صورة فى قاع
الدرج كانت لخمسة من الشبان بينهم صورة
الطبيب , اخذت بمناسبة من المناسبات و نشرت فى المجلة ثم وقعت فى يدها و ارادت ان تحتفظ بها و ان ترى
الصورة كل صباح دون ان تثير حولها ريبة فجعلت الصحيفة فى هذا الوضع .
و ارتعت من هذا التدبير و وصفت التى نسجت خيوطه بانه مصيبة و ان فى استطاعتها ان
تفتح لرغباتها ابوابا خفية لا يحس بها رجل فجمدت فى مكانى .. الدرج مفتوح و
الزجاجة فى كفى و وجهى فى المرآة حائل كالح خائف مخيف لكننى صممت على ان اسكت و ان
اراقب و فتحت الدرج فى الصباح التالى فاذا كل شىء كما هو و ظل كذلك ثلاثة ايام ثم
غيرت الورقة .
كل شىء فى الوجود صالح لان يغذى الشك .. الشىء و ضده معا طعام نافع و قد كانت
ثورتها تغذى شكى كما كان يغذيه رضاها و يثيره فى نفسي اهتمامها بى كما يثيره
اعراضها عنى و لما تناقشنا فى الامر عزته
فورا الى المصادفة البحتة , المصادفة العاثرة التى تجعل العضو المجروح عرضة للمسات
غير المقصودة , و اننخرطت فى البكاء و اتهمتها باننى اعذبها كما يعذب الطفل عصفورة
و ان هذه المسألة يجب الا يتكلم من جديد لان الكلام فيها اشبه بنبش المقابر .
و غاصت المشكلة الى القاع حيث غابت فيه حتى مررنا
الليلة بالميدان و نحن راجعان من السهرة و لما اوينا الى غرفتنا بعد انتهاء العشاء
كنت صامتا خامدا و خيل الىّ انها مصرة على انم تمحو من نفسي ما اصابها و ان تعيدها
الى ما كانت عليه ساعة خروجنا من السينما فضممت على صدرها ياقة المعطف .
و فى طبيعة الناس ان يحترموا الآم انفسهم و ان يدافعوا عنها بحمية فى كثير من
الاوقات حتى ليغيظنا ان يحاول شخص اضحاكنا و نحن مهمومون و خيّل الىّ ان زوجتى تغريبنى و انها تصرفنى عن اشياء يجب ان
اقضى الليل مفكرا فيها مع انها لو بدت واجمة لبات الامر اكثر تعقيدا و ظلمة فانظر
كيف الشىء و ضده طعام صالح لان يغذى الشك .
و سرت فى وجهها فجأة حين اقبلت عليه بكل ما فيها امرأة تصنع خاتمة سعيدة لسهرة
سعيدة قضينا شطرها الاول خارج المسكن ثرت
و لا تسأل انسانا كيف ثار و رايتها بعد ذلك كانها جرحت فى كل مكان و اخذت انوثتها
تدافع عن كيانها متحصنة فى آخر خط فادركت اننى مخطىء و ان نوازع كثيرة يجب ان
يخفيها الناس عن الناس و لفسدت بيننا
الامور.
غير انه لم يكن هناك مجال للرجوع فاشتبكنا
فى جدال حاد و طفحت ذاكرة كل منا بما
يحمله للاخر من اخطاء و كان ثم لففت نفسى باللحاف حتى راسى و اخذت اراقب انفاسى و
هى تنتشر على وجهى فتدفئه حتى سرقنى النوم و فطرت فى الخارج و تغديت فىالخارج و
جلست خلف زجاج احد المقاهى و ارقب المارة بعين بليدة حتى دخل الظلام فوجدتنى اقوم
قاصدا الى غير وجهة لاننى كنت لا اريد ان ادخل البيت ... ثم نمت فى الخارج .
و فى صباح اليوم التالى رايتنى مصرا على ما
فعلت فتغديت فى الخارج و نمت فى نفس اللوكاندة ة و بهذا غبت عن المنزل ثلاثة ايامو
جائتنى الخادمة الصغيرة فى الديوان فى اليوم الرابع لتقابلنى فقلت لمن ابلغنى
خبرها : " قل لها تنصرف " و تغديت فى الخارج و بقيت فى الخارج حتى هبط
المساء فاحسست بحاجة شديدة للذهاب الى البيت و ندمت على اننى لم الق الخادمة
لاسالها عما جد بعد غيابى فقد كان جائزا ان يساعدنى ذلك على الانقطاع فترة اخرى .
و دققت الجرس ففتحت الخادمة الباب و على وجهها دلائل تعب شديد و بدت عيناها اوسع
من المألوف لان وجهها نقص الى النصف و اخبرتنى دون ان اسالها ان سيدتها مريضة وانن
النزيف عاودها و سالتها عن الطبيب فقالت : " انه جاء..." و لم ترفع الى عينيها
و دخلت حجرة النوم فى نفس الوقت الذى خرجت منه احدى الجارات لتتوارى فى الحجرة
الاخرى و كان ظهر المريضة فى اتجاه الباب و وجهها الى الحائط , و زمر من شعرها
الاسود تبدو اكثر حلوكة تحت الن
و بين بياض الاغطية و منديل الراس مددت يدى فادرت وجهها بحركة لا تخلو من عنف , و انا راكع جوار السرير
فرأيت صفرة المرض قد غطت وجهها و عنقها و الجزء البادى من صدرها كذلكو نجمت فى قلبى
حركة لا اعرف ما هى فيها قلق و خوف و شىء من الحب و التسامح و اشياء اخرى !..
لكننى سالتها فى حدة : " هل جاء الطبيب ؟ "
فانخرطت فى البكاء و راسها مائل الى الامام يكاد يختفى فى الوسائد لكننى حولت بصرى
عنها فرايت مجموعة من الادوية موضوعة على المنضدة الملحقة بالسرير و رأيت
تذكرة طبيب مطوية كان عليها اسم غريمى و
لاحت لعينى ورقة اخرى فاذا بها تذكرة طبيب عليها تاريخ اليوم السابق و استطعت فى
هذه اللحظة ان ادرك بوضوح تاريخ التذكرة والاولى و ان اعرف انها قديمة و انها عرضت
على الطبيب الجديد ليراها كما هى العادة .
و جلست على كرسي قريب منهكا كاننى جريت شوطا و كان
بكاؤها قد انقطع لكنها تشهق كانها طفلة و استعدت فى جلستى هذه تفاصيل الليلة
القريبة فوجتها احداثا مبهمة تصلح لكل تاويل كانها كلام ضاربة الودع او قارئة
الفنجان .. فتنهدت و ظللت فى وضع لا ارى فيه الا ظهر المشكلة , و ظهر زوجتى
الراقدة فى الفراش حتى تذكرت فجأة حكاية الفلاح الذى هاجمه الذئب و هو فى الحقل
فقدم له طعامه لقمة لقمة ليشغله حتى يجىء الفرج لكن حسابه خاب و بدأ الذئب يهاجمه
فى نفسه !!
قلت فى نفسي : " هذه هى قصتى مع الشك !! غير ان هناك فرقا واضحا بين المأكول
فى القصتين و هو ان كل شىء فى الوجود صالح لان يغذى الشك , الشىء و ضده معا طعام نافع " .
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |
|
آخر تحديث ( 23/01/2008 )
|