لا شك ان نسبة ما اخرجه الازهر من كتب لا يتكافأ مع ماضيه ، وليس معنى ذلك انه تخلف عن الركب ، بل انه يخرج الان عدة كتب ولا سيما للعلماء الذين تخرجوا فى السنين الاخيرة وتولوا التدريس . فهم يخرجون كتبا فى الاسلام وارنباطه بالمدينة الحاضرة وبعض نواحى علاجه للمشاكل الاجتماعية . وعيب هذه المؤلفات انها ليست لامعة ، أو بالاحرى ليس اصحابها من ذوى الاسماء اللامعة كأسماء الدكتور طه حسين والاستاذ العقاد والدكتور هكيل ، وغيرهم ممن تضفى شهرتهم بريقا على كل ما يكتبون واعتقد أن الاستاذ الكبير فكرى اباظة لو بحث فة فهارس المكاتب الاسلامية لوجد كثيرا مما اخرجه الازهر وعلماؤه وان لم يكن بنسبة ماله من مكانة وعجبت من الاستاذ الكبير فكرى أباظة انه خص أساتذة الجامعة المدنيين بالتاليف والموسوعات الكبيرة وأحب ان اقول له ان الاساتذة الجامعيين الذين يعدون من رجال الدين قد الفوا وكتبوا كتبا ضخاما ..... فالمرحوم الاستاذ الشيخ أحمد ابراهيم قد ترك نحو عشرة كتب مطولة واكثر من عشرين بحثا ، وكانت رسائله تترجم الى اللغات الاوربية . والمرحوم الشيخ خلاف الف أربعة كتب ، وذلك غير بحوثه واحاديثه . واعرف استاذا جامعيا من خريجى مدرسة القضاء الشرعى ودار العلوم ، ويعد ازهريا أيضا ، له نحو اثنى عشر كتابا ، بعضها يعد موسوعات . وقد كتب عن ستة أئمة ستة مجلدات ، وله موسوعة فى الاحوال الشخصية ، وكتاب كبير فى الملكية ، ونظرية العقد فى الشريعة الاسلامية ، واحكام التركات والمواريث وشرح قانون الوصية وكتاب الخطابة وكتاب تاريخ الجدل ، ومحاضرات فى النصرانية وفى تاريخ الديانات ، ونحو عشرين بحثا مستفيصا نشرت فى مجلة القانون والاقتصاد وما كنا لنسمح لانفسنا بأن نذكر هذا لولا اتهامنا بالتقصير فيما يوجبه علينا حق العلم ، وما نقول ذلك مباهاة ولا مفاخرة ، فانا نعلم ان العلم نور يطفئه التكبر والافتخار ، ولاننا نعلم ان ذلك كله بتوفيق الله ، ولاننا لا ندعى ان كل ما كتب يفتخر به ويعتز، بل قد يكون ليس مما يفتخر به ويعتز ، ونقتدى فى ذلك بالامام أبى حنيفة وقد قيل له : " أهذا الذى وصلت اليه هو الحق الذى لا شك فيه ؟"
فقال : " لا أدرى ..... لعله الباطل الذى لا شك فيه "!
الازهر لم يؤد الرسالة وددت – من كل قلبى – الا تكون الايام قد حالت بينى وبين هذا الموقف فى رد الاتهام .... ولكن لا حيلة فقد سبقت الكلمة فى هذا سبقا لم أعد بعده أهلا لهذا الدفاع فمنذ عشرين عاما – ابريل سنة 1936 – كتبت " رسالة الازهر فى القرن العشرين " .... ففصلتها رسالة اجتماعية ........ وعلمية ......... ودنيية ...... وطبعها الازهر على عهد شيخه المرحوم الشيخ المراغى ، ووزعها على الناس فى اقطار الدنيا ، كما وزعها على ابنائه ...... ومازالت حتى اليوم تنتظر من يشعر بها ....... ولا أحسبها تطمع فى ان تنتظر من ينفذها وكان ذلك فى فترة قوى فيها الامل ، وابتسم الرجاء . فى أن يتصل الازهر بالحياة اتصالا جادا ذا أثر ، وفى هذه الفترة اشتركت منتدبا من الجامعة للازهر ، فعاونت راجيا وأملا ، فى وضع النظام الجديد للكليات ....... ورسم المناهج ....... بل فى تدريس مواد الفلسفة ، وتاريخ الاديان ، والاخلاق ولم أخل بواجب التاليف الذى ترجوه ، فخلفت أثناء هذه الفترة :
1- كتاب " كناش فى الفلسفة وتاريخها "
2- تاريخ الملل والنحل
3- كتاب الخير ، فى الاخلاق وتاريخها
4- صلة الاسلام باصلاح المسيحية
ومضيت بعد ذلك أشارك فى الدرس والامتحان حتى ثبت لى اخيرا ان العمل ضائع ، فقلتها للمرحوم الشيخ المراغى صريحة ، مع حبى واكبارى !......... قلت : " انى أصبحت أعتقد ان بقائى فى الازهر وقوف فى سبيل تقدم المجتمع المصرى " ....... وامتنعت عن التدريس ..... وشاركت فى الامتحانات العامة بعدها فترة لم ينفذ فيها شىء من التقارير التى وضعتها عنه ، فكتبت ردا على اخر خطاب يطلب مشاركتى فى الامتحانات ، قلت فيه للمرحوم الشيخ عبد المجيد سليم ......." وبعد فان اسبابا علمية ، واخرى اجتماعية واخيرة شخصية تمنعنى من الاشتراك فى هذا العمل "
وصبرت بعد ذلك بضعة عشر عاما أرجو ان تحدث الحياة امرها فى الازهر ، فلم تبد بارقة أمل ....!
وفى سنة 1952 طلبت الى احدى الصحف الصباحية ان اكتب لها جوابا عن سؤال هو : هل أدى الازهر رسالته ؟ فكتبت لها فى خلال هذه السنة ثلاثة عشر مقالا تحت عنوان " الدين والحياة .... هل أدى الازهر رسالته " بينت فيها قصور الازهر عن أداء رسالته كما تمثلتها حين كتبتها سنة 1936 ومن الطريف انه بعد نشر نحو اربع مقالات أو خمس عن عدم أداء الازهر رسالته كان الرد على ذلك ردا ملكيا رسميا أو قل ارهابيا ، فى كلمة للملك السابق من نداء له بمناسبة رمضان ، قال فيه ماامعناه : " ان الازهر ماض فى اداء رسالته الدينية للشعوب الاسلامية على اكمل وجه "
ومضيت فى كتابة المقالات اشهرا بعد ذلك ، الا انى انتهزت فرصة هذه " العناية الملكية " بالازهر رغم ما اعرف من سرها ، فكتبت كلمة 5/6/1952 عنوانها: " الازهر فى الحياة ..... من زواية الى معهد " أشرت فيها الى اقتراح لى قديم فى ان تكون زواية العميان بالازهر معهدا عصريا للعميان فى هذا الشرق الموقور العمى .... ولكن لا مجيب هذه يا سيدى جملة يسيرة مما سبق ان ابديت من راى عن الازهر وما أملت فيه من أمل .... لم يستجب له الدهر حتى اليوم وهو كما ترى ابداء صريح للراى ، يحيل على اليوم ان أقف مدافعا عن اتهامك له ولن تفيد التمنيات والامانى والمقاصد الطيبة مهما أؤكدها ، فى ان تجعلنى أقول مالااستطيع قوله عن عقيدة ، بعد الذى قلته بلسان الواقع عن عدم اداء الازهر لرسالته كما تمثلتها له سنة 1936 ، وذلك كل ما املك ان أقوله ردا على رسالتك ، وسلاما وتحية ............
أمين الخولى
عضو المجلس الاعلى لدار الكتب