لا تدفعوا الضرائب وقد كانت نتيجة الانتخابات الفرنسية الاخيرة مذهلة . اعتبرها المعسكر الغربى كارثة محققة ، واعتبرها المعسكر الشرقى نصرا مبينا أما الفرنسيون ، فكانوا بعد انتهاء عملية الانتخابات ، متعلقين باجهزة الراديو يستمعون الى النتائج أولا بأول وقال المذيع :
- حزب بوجاد .......... فاز حتى الان ..... بعشرة مقاعد وأصغى العالم بأسره الى هذا الاسم الجديد ! الذى هز الشرق والغرب ..... وقبل أن يفيق من حيرته ، عاد المذيع يقول :
- حزب بوجاد ...... فاز حتى الان ...... بعشرين مقعدا واستمر المذيع يقدم النتائج بين لحظة واخرى ، واسم بوجاد ، يقفز مع كل نتيجة جديدة ، حتى بلغ عدد مقاعده فى البرلمان الجديد 52 مقعدا ..... لاول مرة !
فمن هو بوجاد ......... وما هو مذهبه الجديد ..... البوجادية ؟
فكرة جديرة بان تستهوى العامة وتستهوى معهم التجار والزراع والصناع .......... لانها تعفيهم من دفعالضرائب ! وهى فى الوقت نفسه جديرة بان تستهوينا نحن المصريين ، والعرب عامة ، لانها تحارب اليهود ، كما حاربتهم النازية .
جان دارك رقم 2 بدات قصة بوجاد فى صيف سن 1953 ، حينما اقبلت جماعة من مأمورى الضرائب على قرية " سان سيرى " الفرنسية ، التى لا يريد عدد سكانها على 2500 نسمة ، لفحص دفاتر تجارها ، وهم نحو ثلاثين تاجرا ، أكثرهم من المتلكئين فى اداء الضرائب، فوجدوا جميع المتاجر مغلقة ، ووجدوا زحاما مغضبا من الناس فى ميدان القرية وخشى مأمورو الضرائب العاقبة ، فتركوا القرية ليعودوا اليها ومعهم ثمانون من رجال البوليس ، يحملون الاسلحة والغازات المسيلة للدموع ولكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا فعادوا بخفى حنين .
كان زعيم هذه الحركة رجلا قصير القامة ، من جنوب فرنسا ، اسمه بييربوجاد ، يملك محلا لبيع الكتب فى القرية ، وهو عضو مجلسها البلدى ومنذ اللحظة التى أغلق فيها متجرة فى وجه مامورى الضرائب ، بدا اسمه يلمع فى سماء فرنسا ، وبدا مذهبه : " لا تدفعوا الضرائب " يبهر العالم كله الى ان جاءت نتيجة الانتخابات الاخيرة فهز اسمه الدوائر السياسية فى الشرق والغرب ، واصبح – وهو فى الخامسة والثلاثين من عمره – زعيم الحزب الرابع فى البرلمان ، حزب " اتحاد المدافعين عن حقوق التجار والصناع " ..... الذى يمثله الان 52 نائبا يأتمرون بأمر بوجاد ويمثلون أصوات 2.5 مليون من الناخبين 12.0 فى المائة من مجموع الناخبين وللحزب جريدة اسمها " لونيون " أى " الاتحاد " توزع 600 الف نسخة يوميا رغم ضعف مستواها التحريرى . ويشبهه اتباعه بانه مثل " جان دارك " مبعوث العناية الالهية لانقاذ فرنسا .... أما هو فيقول : " أنالست الا فرنسا عاديا " .
يخلع ملابسه أثناء الخطابة وفى الواقع أنه كذلك ، فقد مات أبوه – المهندس المعمارى – عن سبعة أبناء ، فترك المدرسة واشتغل بجمع العنب من الكروم فى الصيف ، وباعمال الطرق فى الشتاء . وكانت له ميول فاشية قبل الحرب ، فلما سقطت فرنسا فى ايدى الالمان ، هرب الى شمال افريقيا سنة 1940 ، وانضم الى قوات فرنسا الحرة ، وعاد بعد التحرير الى قريته " سان سيرى " ومعه زوجة جزائراية جميلة ، وانتخب عضوا فى مجلس القرية ، وافتتح محلا لبيع الكتب ولكنه لم ينجح فى تجارته ، فتوقف عن دفع الضرائب ، واعتراف بانه يزور فى دفاتره لانها الطريقة الوحيدة لمواجهة مطالب الضرائب ثم عرض مبداه " امتنعوا عن أداء الضرائب " على زملائه فى مجلس القرية ، فأقروه، وبدات الحركة البوجادية ، وسرت من قرية " سان سيرى " الى مدينة " روريز " ، ثم الى غيرها من المدن حتى وصلت الى مارسيليا ذاتها وبدا الاصطدام بين البوجاديين ورجال البوليس ، وكانت النتيجة أن هبطت حصيلة الضرائب فى خمس من مقاطعات فرنسا الجنوبية الوسطى بنسبة سبعين فى المائة . وفى مقاطعات أخرى بنسبة خمسين فى المائة واعترف وزير المالية بان " جنوب اللوار " قد أفلت زمامه من يد الحكومة .
تركوا الماخور الاكبر وفى الربيع الماضى ، غزا البوجاديون باريس نفسها ، وراح بوجادو بصوته المؤثر ، وظله الخفيف وابتسامته الطفلة ونكاته البارعة يغزو القلوب قائلا: " اننا نحاول أن أن نبدا أعظم حركة جماعية عرفها العالم ......... أننا اخر أمل باق لهذه الامة ...... "
وذات مرة كان يخطب فى باريس فخلع جميع ملابسه ، ماعدا حذاءه ولباسه ، بهذا اكتسب اهتمام النساء هن الاخريات ! وبكره بوجاد شيئين :
1- المشرعين الذين يضعون القوانين ........ ويقول فى ذلك : " ليس هناك أفسد من القوانين .... والذين يضعون القوانين "
2- والفرنسين المنحدرين من أصل يهودى ، ويسميهم " الاجانب " ومن أقواله اللاذعة عن البرلمان : " لقد اغلقوا جميع المواخير فى فرنسا ولكنهم تركوا الماخور الاكبر مفتوح الابواب " !
3- ومع هذه الكراهية للبرلمان والتشريع فقد اصبح هو نفسه عضوا فى البرلمان ، بل زعيما يأتمر بأمره 53 نائبا فيه !
4- والجديد ان بين نوابه فى البرلمان اثنين من الجزارين واثنين من الخبازين واثنين من البقالين وساعاتيا ، ومطبعجيا وصيدليا ، وتاجر روبابكيا ........ وهم يطيعون اوامره طاعة عمياء !