ان مصير الشمال الافريقى باقطاره الثلاثة , واحد لا يتجزأ , فقد منيت
الاقطار الثلاثة بالاحتلال فقد احتلت الجزائر منذ عام 1830 , و تونس منذ
عام 1881 , و المغرب منذ عام 1907 , و لكن تحرير الاقطار الشقيقة الثلاثة
جاء بالترتيب العكسى , فكان المغرب اول قطر فاز باسترجاع استقلاله , ثم
تبعته تونس فى هذا العام , و بقيت الجزائر الثائرة و التى تعد فى الوقت
الحاضر اخطر مشكلة تواجهها فرنسا , و من اخطر المشاكل التى تواجهها هيئة
الامم .
و معروف ان فرنساتعد قضية الجزائر من المسائل " الداخلية " بحجة ان ارض
الجزائر جزء من الارض الفرنسية , و هى حجة واهية لا تقدر على الصمود امام
الحجج القوية التى يتسلح بها الجزائريون للمطالبة بحقوقهم و السعى
لاستقلالهم , فللجزائر جق تقرير المصير مثل عيرها من الاوطان فى الشرق و
فى الغرب
الثورات و الثوار :
طالب الجزائريون بحقوقهم فى بادىء الامر بالحسنى , او ربما درج الناس على تسميته بالوسائل المشروعة , و لكنهم لم يحصلوا على شىء منها , فعمدوا الى ما يعمد اليه كل مضطهد مظلوم مهضوم الحق : ثاروا ...
و جاءت ثوراتهم دليلا جديدا على ان الحرية فى كل مكان و كل آن تؤخذ و لا تعطى ...
و قد توالت الثورات و تتابعت فى الجزائر طوال عهد الاحتلال , اى منذ قرن و ربع فرن و لكنها منيت بالفشل لاسباب عديدة .
و كانت ثورة عام 1945 اكثرها اتساعا و اوفرها تضحية فقد قتل من الجزائرين نحو 45 الفا راحوا شهداء الحرية ... اما الثورة الحالية فقد نشبت فى شهر نوفمبر من عام 1955 و شلا شك فى انها من اخطر الثورات التى عرفتها الجزائر تنظيما و خطرا ...
بدات هذه الثورة صغيرة ضيقة النطاق فى جبتل اورس , ثم اتسعت و كبرت حتى شملت بضعة اقاليم , فمن هم الثوار الجزائريون و ممن تتآلف كتائبهم المنظمة تنظيما عسكريا محكما , و جماعاتهم التى تعمل فى مختلف البلاد ؟
ان الثورة فى الجزائر تشمل العناصر الاتية
الوطنيون الاحرار الذين تركوا اعمالهم و التحقوا بجيش التحرير.
الجنود القدماء الذين مارسوا الحرب فى مختلف الميادين , و قاتل بعضهم فى الجيش الفرنسى نفسه لتحرير فرنسا و انقاذها منالاحتلال الاجنبى , و هم اليوم يقاتلون فرسنا لتحرير بلادهم و انقاذها من احتلالها.
الجنود الذين يفرون من الفرقة الاجنبية و بينهم عرب و غير عرب
المتطوعين الذين يفدون على الجزائر من البلدان المجاورة و على الخصوص من تونس و المغرب الاقصى .
الجزائريون الاحرار كلهم , سواء اكانوا فىالمدن او الاقاليم , و هؤلاء يساعدون الثورة و يمدون الثوار بكل عون ممكن , و قد صرح المسئولون الفرنسيون بانهم اصبحوا يواجهون فى الجزائر " شعبا " ثائرا و ان العداء يتجلى فى جميع الوجوه .
العمال الجزائريون فى فرنسا نفسها , و يبلغ عددهم فى باريس وحدها نحو ثلاثمتائة الف و قد عملوا على الاضراب فهددوا بعض الصناعات بالشلل , ووقعت مصادمات عنيفة بينهم و بين البوليس الفرنسى و الجيش .
ان كل عربى فى اى بلد عربى يؤيد الثورة الجزائرية ... و من اقوال المسئولين الفرنسين ان الثورا كانوا فى بادىء الامر يعملون جماعات لا يزيد عدد افراد الجماعة الواحدة منها عن عشرة او عشرين رجلا ... اما اليوم , فانهم اصبحوا يعملون جماعات يتراوح عدد افراد كل جماعة بين مائة و مائتين رجل .
و يطلق الثوار على جماعاتهم المسلحة اسم " جيش التحرير الوطنى " و على الحزاب و الهيئات المؤتلفة العاملة لتحرير الجزائر اسم " جبهة التحرير الوطنى " و الثورة الجزائرية ترغم فرنسا على تجريد حملة يبلغ عدد رجالها الان نحو ثلث مليون جندى يحاربون الثوار , و يعجزون عن القضاء على ثورتهم....
و الثورة تشمل الان نحو نصف البلاد , وتسيطر على جزء كبير من السواحل .... ولقد قسم الثوار بلادهم الى مناطق , لكل منطقة جماعاتها المسلحة و قائدها الاقليمى , و لم يعد الثوار يخفون ان الحركة الثورية الجزائرية تدار من الناحية الدولية بواسطة جبهة التحرير القومى التى اتخذت من القاهرة مركزا لها .
و آخر رقم ذكرته المصادر الفرنسية ان الثوار المسلحين عددهم (30) الفا موزعين على سبعة مناطق .
اسلحة من المستودعات الهائة:

و تكثر الصحف الفرنسية من الكتابة عن السلاح الذى يتلقاه الثوار الفرنسين, و عن المصادر التى ياتى منها هذا السلاح , و تكيل التهم الجوفاء جزافا , و تكرر ان مصر هى اهم مصدر لارسال السلاح الى الجزائر ..
و البلدان العربية كلها لا تنكر تاييجها للثورة, و ليس من المستغرب ان يعمد العرب الى ذلك فان هذا ما يحدث فى كل ثورة وطنية تنشب فى بلد عربى او غير عربى ضد الاستعمار و لكن الشىء الذى اعترفت به الصحف الفرنسية اخيرا , هو ان الثورا الجزائريين يتلقون معظم اسلحتهم من فرنسا نفسها , انهم من ناحية ياخذون السلاح من الحامية الفرنسية فى داخل الجزائر , و من ناحية اخرى يحصلون على اسلحة و ذخائر من المعسكرات الامريكية او الفرنسية فى فرنسا , و قد عمدت السلطات الامريكية – بناء على طلب الحكومة الفرنسية – الى اتخاذ تدابير واسعة النطاق لحماية مستودعات الاسلحة فى شمال فرنسا , لان رسل الثورا كانوا يستولون على ما فيها , اما خلسة , و اما بشرائه من الحراس الامريكيين او الفرنسيين !.
و قالت الصحف الفرنسية ايضاان حركة تهريب واسعة تتم بين المغرب و فرنسا , فيتبادل المهربون السجائر و الاسلحة , و بهذا يحصلون على ما يريدون... و قد نشرت هذه الصحف خرائط و اسماء , وكان من بينها اسماء فرنسية !
فالمهربون الفرنسيون انفسهم هم الذين يتعاملون مع رسل الثوار للحصول على الاسلحة و مهما تكن الوسائل التى يتذرع بها الفرنسيون لمنع تسرب الاسلحة الى الجزائر فانها ستبقى عاجزة , و ستظل الطرق مفتوحة امام المسئولين الثوار للحصول على ما يريدون .
و بعض الطرق التى يتبعها تمر بالساحل الغربى و الساحل الجنوبى من فرنسا , و ينقل السلاح بالبواخر و بوسائل لا يمكن لحكومة فرنسا ان تسيطر عليها او تمنعها و لا شك فى ان الاسلحة التى تصل الى الثوا من البلدان العربية المجاورة – اذا فرضنا انه يصل اليها منها شىء – لاتذكر بالنسبة الى مقدرا ما يتلقاه الثوار من المستودعات الهائلة المنتشرة فى فرنسا و اوروبا .
نصف قوات فرنسا ....
ان تطور الحوادث فى الجزائر ارغم الفرنسيين على تعديل موقفهم من الثورة , و التفكير فى حلول غير التى كانوا يتمسكون بها من قبل و احزاب اليمين الفرنسية وحدها هى التى بقيت الى الآن تطالب باستخدام الشدة و قمع الثورة بقوة السلاح و فرض ارادة فرنسا و ابقاء الجزائر جزءا من فرنسا ! و احزاب اليسار تقول عكس هذا و تدعو الى الاعتراف بحقوق الجزائرين و حريتهم .
و لكن الموقف الخطر هو موقف الفرنسيين المستوطنين فى الجزائر, الذيم مضى على بعض الاسر منهم اكثر من قرن فى البلاد فهؤلاء يرون ان حكومة فرنسا تخونهم اذا سلمت بمطالب الجزائريين و يريدون ان يجندوا انفسهم لمحاربة الثورة و ذهب بعضهم الى المناداة بان الجزائرستعلن استقلالها و انهم – اى المستوطنين – سيتولون شؤونها و يطالب فريق من هؤلاء بشطرالجزائر الى شطرين , و اعطاء شطر للمستوطنين الفرنسيين على الساحل و شطر للعرب فى الداخل !
و حكومة باريس حائة ... التيارات تتقاذفها , فلا هى قادرة على ايجاد حل سلمى, و لا هى قادرة على قمع الثورة بالقوة...
و قد درست قضية الجزائر و نوقشت خلال اسبوع اسموه " اسبوع الجزائر" و لم تسفر المناقشة عن نتيجة حاسمة , بل كل ما حدث ان الحكومة قررت زيادة عدد جنودها فى القطر الثائر , و هذا من شانه ان يزيد الثأر ضراما !
و يتضح من البيانات التى نشرت اخيرا فى باريس ان لفرنسا فى افريقيا الشمالية الان :
343 الف جندى ... منها 200 الف جندى فى الجزائر و 105 الف جندى فى مراكش و 38 الف جندى فى تونس يضاف اليها بضعة الآف ارسلت فى الاسبوعين الاخيرين .
و لفرنسا فى الجزائر 755 طائرة تعمل كلها فى مكافحة الثورة و 80 طائرة هليكوبتر لنقل الجرحى او ارسال المواد الطبية للمصابين فى المناطق الجبلية و بين الجنود المرابطين فى الجزائر نحو ثلاثين الف جندى جزائرى , لا يرسلون الى مناطق الثورة لان القيادة لم تعد تثق بهم
و يبلغ مجموع الجيش الفرنسى كله فى جميع انحاء العالم الآن نحو 690 الف جندى فتكون فرنسا اذن قد ارسلت نصف مجموع قواتها الى الجزائر لمكافحة الثورة , و معظم طائراتها !
و اذا قارنا بين الفرنسيين القائلين بوجود ايجاد حل عادل لقضية الجزائر و ارضاء المواطنين و بين القائلين بعكس هذا و بوجوب فرض الحكم الفرنسى او " الحل الفرنسى " كما يسمونه فاننا نجد ان الاغلبية فى المجلس الوطنى و بين الاحزاب الفرنسية التى تنادى بالراى الثانى ...
و قد قامت احدى الجهات الفرنسية باستفتاء شعبى على طريقة " جالبو " فكانت النتيجة كالآتى :
28 فىالمائة طلبوا تعديل النظام المعمول به فى الجزائر مع ابقائها ضمن ممتلكات فرنسا .
27 فى المائة طلبوا ابقاء الوضع الحاضر
12 فى المائة طلبوا اقامة اتحاد فيدرالى مع فرنسا .
و الباقون اقترحوا حلولا منوعة .
و مما يذكر ان ضباط الجيش يميلون الى استخدام القوة فى حين ان الجنود يميلون الى المسالمة و يرغبون فى حلول سلمية !
الاستقلال اولا و آخرا
و تلخص مطالب الجزائرين الآن فى ثلاث نقاط :
اعتراف فرنسا بحق الجزائر فى الاستقلال.
1. اقامة حكومة وطنية تتولى مفاوضة فرنسا لوضع اسس العلاقات المقبلة بينها و بين الجمهورية الجزائرية .
2. اطلاق سراح جميع المعتقلين و الغاء جميع الاحكام الصادرة على اشخاص بسبب اشتراكهم فى الحركة الوطنية .
اى ان الجزائر اليوم تطالب بلسان ثوارها, بما طالبت به مراكش و تونس من قبل و تريد ما حصل عليه القطران الشقيقان و منذ اعوام , كان الوطنيون فى الجزائر يطالبون باقل من هذا بكثير ...
لكن الحكومات الفرنسية المتعاقبة صمت الاذان عن سماع مطالبهم , فتطورت الحركة الوطنية تطورات متوالية حتى اصبحت ثورة جامحة شعارها : الاستقلال اولا و آخرا ! و قد عرضت قضية الجزائر على هيئة المم ثم سحبت ...
و تمكنت فرنسا الى الان من الحيلولة دون بحث هذه القضية فى المضمار الدولى , و لكن هذا لن يدوم و لا بد ان يجىء وقت و ظرف يقضيان برعض المسالة على الهيئة و سيتحتم على الهيئة ان تقول كلمتها , و للجزائر انصار فى المضمار الدولى : الدول العربية كلها و الدول المشاركة فى المؤتمر الآسيوى الفريقى فى باندونج , و غيرها من الدول الغربية و الامريكية و قد تبنت جامعة الدول العربية قضية الجزائر كما تبنت غيرها من قضايا العرب من قبل.
و اتخذتبعض الدول العربية فىالايام الاخيرة موقفا صريحا بالتحدى لفرنسا تجاه هذه القضية ... فاعلنت مصر ان قضية الجزائر يجب ان تحل بسرعة ... و احتجت سوريا على حلف الاطلنطى الذى يساعد فرنسا على الجزائر الثائرة , سو طلب ملك ليبيا من رئيس جمهورية امريكا ان يتدخل لوقف الحرب فى الجزائر و اعلن سلطان المغرب ان قضية الجزائر مرتبطة بقضية المغرب , و مثل هذا حدث فى تونس حيث يعد الوطنيون قضية الجزائر قضيتهم .
ففى المضمار الدولى تكسب الجزائر شوطا بعد شوط ... و سيكون الشوط الاخير يوم تعترف فرنسا للجزائرين باستقلالهم , تحت ضغط الثورة من ناحية , و ضغط الدوائر الدولية من ناحية اخرى .