**

التجديد سمته الغالبة .....
أسلوب وفكرة ونظرات فلسفية ....... أما تمرده فله انياب واظافر قاطعة ومخالب حادة يصعب عليه أن يهادن واقعا لا يرضى عنه .... بل على العكس يشرع فى تفجير قضايا ساخنة مثيرة ترسم اكثر من علامة استفهام .... لم يحدث أن أجبر على مسايرة ما لا يريد ........ تطعاته مزيد من الرؤية والحقيقة والعمق .... مزاجى حاد متقلب .... أن تمرد يوسف أدرايس وقلقه وتبرمه نتاج حقيقى لصدمات الحياة والتى تمثل الداء والدواء بالنسبة لاديب صادق كيوسف أدريس . بحكم تركيبته أصطدم بالحياة أصطدامات مؤلمة .... فهو ليس بمناى عنها ... عن شرارة الالم . وكما أن الالم داء فهو فى الوقت نفسه دواء لكاتبنا المبدع .... هو المسكن والمخدر لمعاناته وذلك عندما يتولد عن الالم تغييرأو طفرة أو ثورة أو حلم أو أمل .... فالالم هنا لم يذهب سدى .... الالم هنا من اجل البحث عن الحقيقة من أجل الاخرين ... وخلافا لما يتراءى للبعض فان الالم لدى يوسف أدرايس لم يفتت الرؤية ........ لم يذبها ...... لم يضببها وانما اظهرها شفافة ناصعة جلية .
يوسف أدرايس لا يكترث كثيرا بمبدا تذكير الناس به ككاتب . فكل ما يعنييه اجتذاب القارىء فى كل مرحلة الى موقف جديد .... الى رؤية تخرج به عن حيز الروتينية الثقيل . كاتب تحركه الرؤى التى تشكل اضافة .... تمنح بعدا ........ تعكس عمقا . أكثر ما بلغت النظر اليه طموحاته ...... ومحاولاته لعمل الكثير ... احلامه لتغيير العالم .... حرصه على أن يكون عنصرا فعالا فى هذا الكون . وكل هذا تعرفه عن يوسف أدريس يتسلل اليك برفق وتلقائية غير مقصودة ..........
**سالته : أحيانا يشعر المره معك بأنه أمام حالة من الوعى واللا وعى .... أمام طفل يحطم دميته اذا لم تلب طلباته ويحصل على ما يريد ؟
* هذا ليس بغريب أن أسمعه ، فالناس للأسف لا تستطيع أن تهضم فكرة وجود الفنان داخل الكاتب . فهم يعاملون الكاتب وكانه رئيس وزراء مسئول لابد أن يتمتع بالحكمة والدبلوماسية وضبط النفس . صحيح لو اتسم الكاتب بهذا لاكتسب الاحترام العام ولكنه سيفقد حتما اهم جزء فيه وهو ذلك الطفل المتمرد الخلاق .
** هل أنت ثائر بلا ثورة ؟
* لا يوجد ثائر بلا ثورة ولا ثورة بلا ثوار . فانا ثائر ربما على الثورة نفسها . لاننى لم . ولن أصل الى الثورة التى تحقق كل ما أشتهيه للجنس البشرى ؟
* * مزاجية يوسف أدرايس الحادة مليئة بالمتفجرات . ولكنها عودت القارىءدوما أن تكشف المتناقضات بأعين مفتوحة يقظة وصوت جمهورى عال . واليوم أراك بعد غصبة أدريسية ثرت فيها على نفسك ، وعلى الصحافة وعلى الشعب المصرى . هل هى غضبة سياسية ؟
* غضبتى لا تكون عادة غضبة سياسية فقط . فانا لست سياسيا . ولكن غضبتى وجدانية .... فالاسأس لدى الشعور المستمر بالرضى عن النفس ... المنطق العلمى فى التحليل .... الذريعة أو المبرر بالنسبة لكل شىء يحدث . ذلك أن الوقوف موقف المحلل من مشاكل المجتمع يمثل دورا يضطلع به المرء . ولكن على الكاتب دورا أخر وهو أن يهز المجتمع الذى يعيش بين ظهرانية .
* * بأسلوب الصدمات الكهربائية ؟
* لا أعنى الصدمات الكهربائية ولكن أعنى أسلوب الصحوة لا سيما اذا كان مجتمعه كله على خطا فى مواقفه .
** والكاتب هو الاوحد المتفرد بعدم الخطا ؟
* فى هذه اللحظة يكون يكون هو الصواب . أنا دائما أعرف الكاتب بأنه الانسان الذى يصحو حين ينام الناس وينام اذا صحوا ويغضب حين يرضى الناس ويرضى اذا غضبوا
* * الايمكن أان يفهم من نغمته المضادة أنه ضد المجتمع ؟
* لا ....أنه ضد النغمة السائدة بمعنى انه يرسل النغمة المخالفة لما يسمعه المجتمع من نفسه وبنفسه . وهنا تكون أمام الشعب الحقيقة من وجهتى نظر . وهنا يستطيع الشعب أن يرى المنظور كاملا وبعمق وهذا يهيئه كى يأخذ موقفا أحسن .
** ولكن ما الذى حرك غضبتك الجسور المخطئة للجميع والتى عكستها برقيتك الحادة التى أرسلت بها الى جريدة " الاهالى " فى أغسطس من العام الماضى والتى كانت تمثل صرخة عالية تدين فيها نفسك وشعبك ؟
** البرقية خاطبت خلالها المجتمع ... قلت أن انسانا ممزق للغاية وأننا جد متعبون أرسلت البرقية لانى وجدت أن أحداث لبنان الخطيرة هزت كل كيانى . ولم أكتف بالبرقية وانما أنضممت للجنة مناصرة القضية الفلسطينية وتبرعت بألف جنيه وكنت سأستقل السفينة التى توجهت الى بيروت لولا أن نصحت بعدم التوجه خشية من أصطاد فى هذه العملية . لقد وقعنا فى خلط غريب فأثر جلاء أسرائيل عن سيناء فى 25 أبرايل 1981 بأغتتنا اسرائيل بأحداث لبنان فى يونيو .
** أحداث لبنان لم تكن مفاجاة . فلقد مهدت لها
أسرائيل بتصعيد أجرات مستفزة فى الضفة وغزة طوال شهر مايو . بل أن التقارير أكدت
قبلهما وبعدة أشهر أعتزام أسرائيل اجتياح لبنان . وعليه لم يكن غزو لبنان يحمل
طابعا المباغتة ؟
* المهم
وقوع الدراما فى حد ذاتها . لقد عايشت الجزء الاول منها فى الولايات المتحدة .
فعبر التليفزيون الامريكى شاهدت شيئا مخفيا وخطيرا ........ مشاهد لم يسمح بعشرها
فى عواصم عربية كثيرة كانت تريد أن تتفادى رد الفعل القومى . وعدت الى القاهرة
وانا مشحون بوسائل الاعلام الامريكية فوجدت صورة مغايرة لما توقعت .... وجدت أن
الشعب والمثقفين والراى العام مشحوتون بوسائل أعلامنا هنا .
* * هل
تريد القول بأن ردود الافعال هنا بالنسبة للبنان لم تكن على مستوى الاحداث ؟
* لم تكن
مقابلة ولا مساوية للاحداث فغضبت . محصلة غضبى أطلعتنى على حقيقة مفادها أن السر
فى مشاكل مصر كلها هو وسائل الاعلام ...... أجهزة الاعلام من الخطورة بمكان بحيث
انها أكبر من أن تترك للدولة بمفردها . المشاكل تتراكم على الدولة اليوم لانفرادها
المطلق بتوجيه وسائل الاعلام ، وحرام أن تلقى تعبة توجيه وسائل الاعلام على الدولة
بمفردها . أننا بذلك نحملها مشقة وعبئا يصعب على أية دولة فى العالم الاضطلاع به
بمفردها .
** من
الذى يمكن ان يساهم فى توجيه وسائل الاعلام ؟
* أن
تشرك الدولة معها الشعب أشراكا كاملا .
* *
كيفية اشراك الشعب تثير مشكلة أخرى ؟
* منذ
ثورة 23 يوليو اكتشفت الحكومة أمكانية أستخدام أجهزة الاعلام كوسيلة لايصال رسالة
الثورة الى الشعب . وهذا دور من أدوار أجهزة الاعلام الموجودة فى العالم كله .
ولكنها ادوار نسيت دورا هاما أخر وهو أن توصل رسالة الشعب الى الحكومة ... فى
الماضى أعتمدت على تنظيمات الاتحاد الاشتراكى وتقارير المخابرات ولكن هذه القنوات
اذا وصلت جزءا فلن توصل الاجزاء الاخرى . صحف المعارضة مثلا اليوم توصل جزءا من
الرسالة .
** صحف
المعارضة تتهم بالتجاوزات ؟
* صحف المعارضة مليئة بمليون خطا ولكن ميزتها
الوحيدة أنها يمكن تنقل للراى العام والحكومة رأى قطاع من الناس كان غائبا . بحيث
بأت الناس يستمعون الى أراء بعضهم البعض . وعندما أرسلت برقيتى " للاهالى
" كنت على ثقة من أننى اذا بعثت بها الى الاهرام أو الاخبار أو الجمهورية –
الصحف القومية – والتى من المفروض أنها منبرى الطبيعى – فأنها لن تنشر .
** ولكنك لم تحاول أستخدام منبرك الطبيعى فى نشر برقيتك الغاضبة ؟
* كانوا غرقى فى مناقشة قضية فوازير رمضان والمطالبة بعودة نيللى وكانها مطالبة بعودة عبد الناصر بعد محاواته التنحى عن الحكم . فعلت هذا لاننى أحسست بأن الشعب الامريكى أنفعل بما يحدث فى لبنان أكثر منا نحن وأن الضمير الاسلامى .
** أتمامة لردة الفعل الغاضبة على ما حدث فى لبنان . لماذا وأنت المشحون بأحداثها لم تكتب وتمارس مهمة الكاتب .... لماذا لم تصح والناس نيام وتغضب والناس راضوان
* توقفت عن الكتابة . الاحداث والجو العام صدمنى فأبطنى الكتابة ستة أشهر .
* * حدداد على ما حدث فى لبنان أم على ماالت اليه الكتابة ؟
* لاحساسى أن دور الكتابة فى مصر بات بأهتا . توقفت بحثا عن الخلاص . وجدت أن الطريقة التى تكتب بها والموضوعات التى نتطرق اليها – رواية ........ قصة ... مقال – بعيدة تماما عن الواقع الخطير الذى نعيشه الصدمة أخرجت من ذهنى كل المفاهيم القديمة عن الفن والوحى وهذه الترهات .
أننا فى مجتمع مخيف . لقد بدا العنف المسيحى اليهودى الذى انتشر فى أوروبا والولايات المتحدة يتحول الى منطقتنا . وصل الى الشرق الاوسط فبات علينا الان واجب أن تعيش مرحلة العنف اليهودى بكل ما يمكن أن تتمخض عنه من مذابح وأهوال .
** معنى هذا أنك ترى الكتابة تنصب اليوم على منظور أخر خلافا لمنظور الفن الجميل الذى ارتبط بها من خلال مناقشات المجتمع اللغوى ؟
* هذا كلام باهت وفارغ . فاليوم يجب أن تكتب لندافع عن وجودنا . وأن نمد يدنا ونستخلص أعمق مافى قدرتنا من طاقات خفية لوجود قوى حتى لا نضيع . ومن هنا خرجت من صف الكتابة لانى شعرت بأننى أحارب فى شراذم . وأننى مهلهلة . وأننى مهما صرخت فىهذه الصفوف فاننى لن أغير منها شيئا قلابد أن أنشىء صفوفا أخرى بأسلحة أخرى وأسلوب أخر أثبت به وجودى وأدحض به وجود عدوى .
** قد يكون هذا صدى لعزوف كثير من القراء اليوم عن الانتاج الفنى والادب العربى ؟
* هذا لان الانتاج الفنى ليس فى مستوى وجدان الناس . الادب بات صوتا ضعيفا خاملا بما فى هذا رواياتنا المشهورة . اننى أهاجم اليوم زملائى الكتاب فى مصر وعلى رأسهم كبار الكتاب لانهم خارج المنبع الرئيسى للحياة . كتاب الدراما فى مصر كذلك ، أكبر شاهد مسلسلات التليفزيون التى تشعرك بأن الفن زائدة دودية فى الحياة وليس عمودا فقريا . لانهم لا يتصدون لقضايا الوجود الرئيسية فى مجتمعنا ...... لا يقتحمون الوجود كلحم ودم .
** هل هذا يعنى انهم منصرفون الى الهامش بعيدا عن المحتوى والمضمون الفعلى للحياة ؟
* نعم . رغم أن الكتابة جزء كبير من قوة الحياة وعنفها .
** أيمكن أن يكون السر فى ذلك أن كتابنا مازالوا فى الاغلب سجناء صدفة الادب العربى وموضوعاته . فهم بمنأى عن الواقع الملموس ؟
* ولهذا أنا ثائر . نجيب محفوظ يكتب لى عن الف ليلة وليلة ..... مصطفى محمود يحدثنى عن العلم والايمان .... توفيق الحكيم لا أعلم أين هو ؟ ..... د . ذكى نجيب محمود يناقش قضايا مجردة . أننى أقول له لا يأأستاذنا يجب أن تنزل وتتحدث عن قضايانا الوجدانية التى تمس الحياة اليومية والتى تنهيا أمام أعيننا . يجب أن نبدا بأنفسنا . لقد تخلى الكتاب عن الكتابة لغير الكتاب . تحول القراء الى كتاب ... حدث خلط . الكل يكتب من غير الكتاب دون أن يسمع أحد .....
** ماذا حدث بعد ما اعتزلت الكتابة لمدة ستة أشهر .... ما هى رؤيتك بعد الاعتكاف ؟
* الغريب انه لم يتصل بى أحد .... ولم يطالبنى أحد بالكتابة . ولم يعرف أحد الموضوع الذى اعتزلت من أجله . وهذا يرجعنا الى أصل الداء وهو أن كل أنسان بات يهتم بأمر نفسه فقط وينسى الاخرين . فلو أعتزل كاتب الكتابة لن يسائه أحد ....أين أنت ؟ لو أن كاتبا انتحر ؟ لن يأبه به حد .
** هذا يجرى تحت الشعار القاتل الحياة تسير بغير الاخرين فأعمدة الحياة لن تتصدع اذا اعتزلها أو نحى عنها أنسان ؟
أهاجم كبار كتابنا لانهم خارج المنبع الرئيسى للحياة المصرية
نجيب محفوظ يكتب عن الف ليلة وليلة !
ومصطفى محمود يتحدث عن العلم والايمان !
حسين فوزى غائب مع فن عام 46 !
زكى نجيب يتحدث عن قضايا مجردة !
أقول لكل هؤلاء : ياأساتذة ، علينا أن نعايش وجدان الجماهير
* هذا شعار خاطىء . لقد وقعنا فى خطا كبير . اننا نعيش كدولة ... كمجموعة أفراد لا كشعب . لان الشعب يأبه بمن فيه من أفراد . يكون هناك نوع من التواصل والود والعناية ببعض . أن هذه الروح لدينا تكاد أن تتحول الى روح مضادة تماما . لقد تحولنا الان الى كراهية بعضنا البعض .
* * غضبتك وأن كانت قد مست قطاع الاعلام فهى قد مست أيضا قطاعات أخرى كثيرة قد يفصح عنها أن نعلم شيئا عن المقال الذى منع نشره فى الاهرام ؟
* لقد تصورنا أن أحداث لبنان أزمة عايزة . عذرنا أننا كنا قد أنتهينا لتونا من تجربة المفاوضات مع اسرائيل كتبت أقول بأن الدولة التى تفعل هذا فى لبنان بعد شهرين من الجلاء عن سيناء لا ولن تراعى شعورنا . وأن سياسة مراعاة الشعور مع أسرائيل لن تجدى . ومضت الايام وجاء القراد السياسى بأستدعاء السفير المصرى من اسرائيل كان هذا عملا ايجابيا ..... كان بمثابة استجابة غير مباشرة أظهرت أن هناك رايا عاما ما زال غاضبا وغير مكتف بردود الفعل أزاء ما قامت به اسرائيل فى لبنان .
** قضيتك مست الصحافة . هل ما زالت تشعر أن صحافتنا القومية مرهونة تماما للدولة أم أنها منصرفة فى الغالب الى موضوعات هامشية ؟
* صحافتنا تلتفت الى المهام الصغرى للصحافة مثل نقد أجهزة الاعلام الاخرى .أو فقد الحكومة والمحافظ والوزير وفى اعتقادى أن المهمة الكبرى للصحافة هى مخاطبة الوجدان العام وأيقاظه ووضعه باستمرار موضع المسئولية والمساءلة . قد أقرا قضية " عصمت السادات " مثلا بوجهتى نظر : قضية أنسان يتفرج على مساخر كانت ومازالت تحدث فى جهاز الدولة ، ويمكن أن أقراها على انها ليست فرجة . فهذه بلدى وراسمالها الذى يلعب به حفنة أفراد هو رأس مالى . وهنا لا أصحو فقط على قضية عصمت السادات وانما على اى عصمت يمكن أن ينشا أو يظهر . فهنا أنا أنشر لا كمتفرج وانما لان كل قرش وكل انسان يندرج تحت مسئوليتى . بحيث تسود الروح التى وجدناها لدى سيدنا عمر بن الخطاب حين قال : " والله لو تعثرت دابة فى العراق لخشيت أن يسالنى الله عنها " . يجب أن تسود هذه الروح خلفاء هذا العصر . أن للصحافة دورا أخر خلافا للنقد وهو تجميع الراى العام خدمة للراى العام لا خدمة لهذا الحزب أو ذاك . فنظريا قد يتغير الحزب الوطنى ويأتى أى حزب من تلك التى نسميها أحزاب معارضة فى الحكم . ما الذى يحدث اذا حصل هذا ؟ هل يمكن أن تتغير أجهزة الاعلام حينئذ لمسايرة أى حزب جديد حاكم ؟
** معنى هذا أنك غير راض عن الدور الذى تضطلع به الصحافة حتى اليوم رغم ما يقال عنها من أنها تعمل للراى العام القومى ؟
* الراى العام القومى لا تحصلى عليه من حفنة قراء وعدة كتاب وانما يصنعه ضمير قومى يتمتع به المثقفون والصحفيون وكتاب هذه البلد . الجزء المرسل للصحافة غير كاف وغير عاكس للرسالة الحقيقة التى يجب أن تصل اليوم للشعب . هناك أخطاء قد تعرض ولابد لمناقشتها مثل الخطا الذى ترتكبه أية حكومة عندما تحجب عن الراى العام حجم الازمة التى تكون بينها وبين أية دولة .
** قد يفرض هذا نفسه أحيانا للمصلحة العامة . فهو يكفل للدولة حريتها فى التصرف ؟
* هذا خطير جدا لان المفهوم الحديث للدولة يقضى بأستخدام الراى العام لتدعيم حريتها فى التصرف لا لشلها عن التصرف . أسرائيل مثلا أستخدمت المعارضة الاسرائيلية لتدعيم المفاوض الاسرائيلى . بينما أسكتنا نحن المعارضة هنا لتدعيم المفاوض الاسرائيلى . بينما أسكتنا نحن المعارضة هنا لتدعيم المفاوض المصرى .
** قياس مع الفارق . المعارضة الاسرائيلية وقت الازمات تقف قاب قوسين أو أدنى من الحكومة ؟
* المعارضة هى المعارضة . المعارضة فى اسرائيل وقفت بحدة أمام حكومة بيجين بالنسبة لاحداث لبنان وقامت بأكبر مظاهرة ضدها .
** معارضتنا لا تطرح بدائل ايجابية فى العادة . معارضة تلتزم ب " لا " ونقد الاحداث ... معارضة متفرج لا مسئول مسئولية قومية ؟
* وظيفة المعارضة أحيانا أن تعارض فقط وان تقول هذا خطا .
** هل تتحدث الان بوصقك معارضا ؟
* لا . أنا أتحدث كمحايد . لست معارضا ولا غير معارض . ولكن أحيانا تكون وظيفة المعارضة أن تقول " لا " دون تقديم البديل . لانها لو ملكت البديل لكان على الحكومة أن تستقيل . أذا أضطلعت الحكومة بالحكم فهى التى توجد البدائل ولا تنتظر أن يقدم لها الاخرون هذه البدائل . فاذا غاب عنها البديل أو الافكار أو الجهاز التنفيذى فيجب أن تتنحى لغيرها .
* ولكن المعارضة الايجابية التى ترتكز على أساسيات لابد أن تقترن بالبدائل كى تظهر فى أطار موضوعى لا تشوبه شائبة .
* المعارضة اذا قدمت البدائل فهى لا تقدمها للحكومة وانما تقدمها للشعب كمعيار ينتخبها على أساسه اذا فكر فى انتخابها فى يوم من الايام . المعارضة ليست قطعة غيار فى جهاز الدولة . المعارضة وسيلة حكم .
** ولكن أحيانا ما تنفى المعارضة عن نفسها رغبة السعى للحكم ؟
* هنا تكون كاذبة . لان المفروض أنها تسعى الى الحكم وتقدم البدائل من أجل الحكم وتقدم برنامجها للشعب لكى تنتخب على أساسه لتحكم .
* هل المعارضة فى مجتمعنا مهيئة للحكم ؟
* المعارضة بوضعها الحالى الان لا اعتقد أنها مهيئة للحكم . ولكن هذا لا ينفى أن هناك معارضة شعبية حتى داخل الحكومة . وهذه يمكن اذا ضمها حزب أن تصل الى الحكم .
* ما الذى عنيتموه عندما قلتم بأن المعارضة الموجودة الان غير مهيئة للحكم ؟
* بمعنى أن الشكل الموجود الان للمعارضة محدود فى أعضاء حزبى التجمع والعمل الاشتراكى رغم أن كليهما لم ينشا من فراغ فالاول من الناصريين والاشتراكيين والماركسيين والقوميين والان امتداد لمصر الفتاة .... الاأن الحياة السياسية فى مصر فى الماضى لم تكن مقصورة على هذين الاتجاهين فلقد كان هناك الوفد والحزب الوطنى والاخوان المسلمون واحزاب الاقلية .
** هل معنى هذا أن الحياة السياسية عندنا مازالت الى اليوم لم تتبلور بعد ؟
* هذا ما أريد أن أقوله . وعليه فلوا انطلقت كل الاحزاب المعترف بها والتى يمكن أن يعترف بها لتغيرت الصورة .
* * ولكن كيف تصل الى معارضة مقننة منظمة لا تختلس ..... معارضة حقيقية وليست تمرادا أجواف ..... وليست أسقاطات أو تجريحا أو ثغرات ؟
* بالكف عن الخوف من المعارضة . يجب أن نعود أنفسنا عليها . كما يجب على الحكام ان يتعودوا على وجود المعارضة كشىء شرعى يعود عليهم بالنفع .
** وسط هذا يسود لدى الكثيرين الاحساس القائل بأن عملية الاحزاب عملية مشتتة فى مجتمعنا وليس هناك الحزب الجاد الذى يصل الى الحكم ويشرع فى مجابهة التنافس مع حزب حاكم قوى ؟
*الناس لديهم حق فى ذلك . فلقد كان من المفروض أن تؤدى أحزاب ما قبل الثورة الى ثورة 23 يوليو ، حتى اذا أتت الثورة حلت الحكم الحزبى اى الطبقى وشكلت حكما لا طبقيا . أما المضحك فى الامر فهو تطلعنا بعد ذلك الى أقامة مجتمع طبقى بعد حكم لا طبقى وهذا بدوره يفسر كثيرا جدا من الطبقات الطفيلية وأفعالها المنكرة التى خلفها الانفتاح الاقتصادى أى العودة المفتعلة الى الحكم الطبقى .
* * أى أن سياسة الانفتاح فى محتواها الفكرى الحقيقى الهدف منها خلق طبقة مستفيدة ؟
* خلق طبقة مستفيدة من الاقتصاد الحر لتمويل عملية التنمية بالنسبة للطبقات الشعبية . غير أن الانحراف للاسف – والذى لابد أن تبنى سياسة الانفتاح ان يكون قد أدركه – أدى الى تضخم الجزء الطفيلى فى هذه الطبقة على حساب الجزء المنتج . ورغم هذا فأن فئة من الطبقات الشعبية أرتبطت بسياسة الانفتاح اكثر من الطبقات المستفيدة منها وهم تجار الانفتاح أنفسهم . بدليل أن الطبقة الشعبية تشترى السلعة مهما أرتفع سعرها بل أنها تسارع بالبحث عن السلعة اذا اختفت . وهذا لان الطبقة الشعبية والحرفية أرتبطت بالثورة البترولية الموجود ة بالمنطقة عن طريق عملها فى الدول العربية . فتخلت بذلك عن ان تكون طبقة شعبية أو عاملة محضة ، بل أن الفلاح دخل فى اللعبة وعمل فلاحا فى دول اخرى . وجدنا أنفسنا نواجه طبقات نصدرها للخارج . وعلى هذا فان الاحزاب القائمة الان لا تمثل فى حقيقته القوة الاقتصادية الموجودة بها . وفى ضوء هذا كان من المفروض أن ينشا حزب جديد يدافع عن مصالح المغتربين وقى الوقت نفسه ينشا حزب أخر للمستهلكين يهاجم هذا الحزب الذى تسبب فى رفع الاسعار .
** فى معرض تقييم الاحزاب انتقد البعض شرط الخمسين فى المائة للعمال والفلاحين هل انتم مع هذا البعض أم ضده ؟
* أنا لا أعتبر شرط الخمسين فى المائة رشوة سياسية لانه لو كان رشوة سياسية لذهبت لاصحابها الحقيقين وهم الفلاحون أنا أعتقد أنها رشوة لطبقة المنتفعين من الفلاحين والعمال .أننى لست ضد الخمسين فى المائة بل على العكس أنا معها شريطة أن يعاد تعريف العامل والفلاح . فالعامل والفلاح الحقيقى ليس هو الذى يملك خمس وعشرين فدانا ، لان من يملكها اليوم يملك ربع مليون فكيف يمكن أن أسميه فلاحا ؟ والحل الحقيقى لهذا انشاء احزاب للعمال والفلاحين . لاننى شخصيا اذا كان هناك حزب للفلاحين لانضممت اليه وانا مثقف . لاننى بكل كتاباتى ووجودى أدافع عن الفلاحين . فليس من الضرورى أن أكون فلاحا يزرع لكى أدافع عنهم . مطلوب منا قبل الحديث عن الخمسين فى المائة والعمال والفلاحين أن تتواجد قيادات أو أحزاب للعمال والفلاحين .
** اذن فانت لا ترى دورا للراسمالية الوطنية فى مصر ؟
* على العكس
* اننى أريد أن أكتب وسط هذا الاحباط مقالا أدافع فيه عن الراسمالية الشريفة . عصمت السادات ورشاد عثمان ليسا رأسماليين اطلاقا . ولكنهما لصان وأفاقان هناك طبقة رأسمالية موجودة ولكنها ضعفت جدا وعندما جاء الانفتاح اعطاها حقن فتيامين لتكبرووتصبح طبقة خالقة لراس المال . فنشات نتيجة لذلك الطبقات الطفيلية ولكن هذا لا يمنع ان هناك طبقات رأسمالية محدودة جدا وشريفة فى مصر .
** تقول هذا رغم انك اشتراكى وضد الراسمال الحر ؟
* نعم .... اقول هناك شرفاء رأسماليون فالمنتجون ليسوا بالصوص ولكن المتطفلين أكثر يكثير جدا من الشرفاء .
** وسط هذا قد يتراءى للبعض أننا قد وصلنا الى الازمة أى عدم القدرة على الحل . أن أكبر المشكلات التى نواجهها اليوم هى كيفية نخرج المجتمع الجديد من المجتمع القديم . وحتى لا تكون الولادة عثرة كيف يمكن أن نساعد على عملية التطوير وبصفة خاصة تطوير السلوكيات فى الاغلب ؟
* يجب أن نبدا عبر وسائل الاعلام بتقديم أساليب للتعامل والتصرف فى المواقف نثور بها على ما تعودنا عليه ، يجب أن يهاجم التليفزيون الوسائل المعوقة فى حياتنا . نموذج الموظف الذى لا يريد أن يتخذ قرار ، فالى جانب انه يعكس روتين الحكومة فهو يعكس أيضا نوعا من السلوك الشخصى . فى عملية الولادة التى تمر بها علينا أن نجرى طلقا صناعيا الطلق الطبيعى . علينا أن نهاجم المشاكل كى نصبح أقوى منها . لقد تفاءلت مع العام الحالى لا لان المشاكل حلت ولكن لاحساس الناس بأنهم أقوى من المشاكل وانهم يستطيعون حلها . وهذا الشعور يمكن أن يتبدد أو يصاب بالاحباط ما لم تستفيد الحكومة والاجهزة المعينة منه .
* * يوسف اداريس لا يخشى الحضارة ، يتعامل معها على انها وسيلته للادراك ولبست قمة الادراك .... والتساؤل هل الوضع لدينا مهيىء لخلق واقع حضارى . أو بالاحرى واجهة معينة من الرقى يمكننا من خلالها مجابهة دول أخرى كاسرائيل ؟
* نستطيع مجابهة الولايات المتحدة حضاريا لا أسرائيل فقط . الوضع متحضر جدا لدينا شريطه أن نتنبه الى أوجه حضارتنا الخاصة لدينا التراث ولدينا التاريخ الضخم . لدينا مكونات الحضارة غير المستفلة حتى الان . اذا سرت من طنجه الى الخليج وجدت الحضارة المصرية هى التى بنت هذا كله . أقمنا امبرطورية أكبر من تلك التى شيدها الامريكيون ، لانه كانت لدينا حينئذ الموارد ونظام العمل والامكانات ؟
** فى نفس الوقت دعوتم الى ثورة فكرية تخرجنا من دائرة اللاانتماء الذى نعيشه وتعيد لنا ثقتنا بانفسنا . ما هى المقومات أو الركائز التى تعتمد عليها الثورة الفكرية ؟.
* أولها العدالة الاجتماعية الحقيقية التى تطبق بدءا من رئيس الجمهورية الى الخفير .... الركيزة الاخرى أن نشرع فى حوار فكرى عريض لمناقشة الوضع الفكرى المتخلف للفكر الاسلامى والفكر غير الاسلامى . اننى الفت نظر اخواننا الذين يتطلعون الى الاستغناء عن الفكر غير الاسلامى بأعتباره فكرا ملحدا ، فاقول ليس كل فكر غير اسلامى بملحد ، فهو يصدر عن ايمان مختلف ولابد من الاستفادة منه حتى كمسلمين حتى لا ننغلق ونتخلف . المطلوب الوصول الى فكر اسلامى متحضر ، واذا كان مستشرق مثل " جارودى " قد اسلم فهو لم يفعل ذلك لكى يعود الى ارتداء العباية وانما فعل ذلك عن أقتناع بحضارة الاسلام . اذا كان اعلى مستوى فى الفكر الماركسى الفرنسى وصل الى أن الاسلام يحوى جوانب اكبر بكثير يمكن أن تفيد البشر فهذا نتاج رقى لا تخلف فكرى . ولذا يجب اذا تحدثنا عن الاسلام الايأتى فى أذهاننا فكرة الاستغناء عن مباهج الحياة الدنيا . يجب أن يخطر فى أذهاننا الحضارة . الاسلام هو الحضارة لا العلم والايمان ، العلم بمفرده مجرم اما الحضارة فهى الاصل . الحضارة الاسلامية تمنع الدجالين الذين يرفعون شعار العلم والايمان . ليس هناك ما يسمى بالعلم والايمان . العلم أحد مكونات الحضارة الاسلامية تماما مثل التصوف والنزعة الجمالية والتعليم والحصول على تكنولوجيا العصر لخدمة الاهداف اليومية للمواطنين وتطويع أحدث مبتكرات العالم حتى فى الازياء ؟
** عندما نتحدث عن الاسلام بهذا الانفتاح ، أتساءل عن وجهة نظركم فى قضية أثيرت مؤخرا على صفحات " المصور " حول الاسلام وكونه عقيدة وشريعة أم عقيدة فقط ؟
* الاسلام حضارة ، لا هو عقيدة ولا هو شريعة ولا نظام حكم فقط وانما هو كل هذا . الاسلام حضارة ذلك اننا اذا أفرغنا الاسلام من فكرته الحضارية لاستحال الى جاهلية. فالجاهلية الحقيقية أن تنظر الى الاسلام على أنه دين فقط أو شريعة فقط او طقوس فقط .
* الاسلام قيم وهذا أشمل .
* اذا أخذنا الاسلام كحضارة أعطانا القيم وكل هذا .... وأعطانا العصر . وهنا نكون قد كسبنا الاثنين معا الدين والدنيا ، أما هؤلاء الذين يريدون لنا أن نخسر الدنيا فى سبيل الدين أو الدين فى سبيل الدنيا فكلاهما على خطا . لان عظمة الانسان تكمن فى انه كائن خلقه الله دنيويا والالكان سبحانه قد خلقه ملائكيا سماؤيا وحلت بالتالى مشكلة الخطا البشرى وانتقى الحساب والعقاب . قال الله تعالى : " قل انما أنا بشر مثلكم يوحى الى انما الهكم اله واحد " فالانسان بشر دنيوى ولديه القدرة فى الوقت نفسه كى يتسامى ليصل الى الكمال البشرى .
* * بينما تدعو الى الثورة الفكرية والى التغيير نجدك فى حياتك لا تميل الى التخطيط فانت تقود حياة أرتجالية تلقائية بل وتصف ذلك بأنه أقتراب من البشرية كيف يمكن ان تتاتى الثورة أو التغيير المنشود بلا تخطيط ؟ بمعنى هل يمكن أن يعول المرء على ثورة أرتجالية بلا تخطيط ؟
* لا .... لا يمكن أيجاد ثورة بدون تخطيط وانا أتفق معك فى ذلك . ولكن عكس ما تقولين فانا فى حياتى منظم جدا .
** ولكنك تلقائى الى أقصى حد ولا يمكن لك أنكار ذلك ؟
* ولكن وراء هذه التلقائية تنظيما ، فالخطة لدى ليست بخطة جامدة وانما قابلة للتغيير وفق ما أهدف اليه . وانا أهدف الى ثراء فكرى . ومن ثم فان أية طريقة عمل أو اى مكان أجد فيه هذا الثراء فاننى أعايشه .
** هل معنى هذا أن هناك علاقة بين التخطيط والارتجال فى حياة الكاتب ؟
* هذا يتطلب معادلة دقيقة حتى لا تطفى أحداهما على الاخرى . هناك كتاب يعطون كل الاهمية للتخطيط ومنهم صديقى نجيب محفوظ الذى يمكن أن ياتى عند منتصف الجملة ويتولف عن الكتابة لان الساعة أوشكت على الواحدة فهذا تخطيط يطفى على عمله . عمل الفنان مجهول ومن هنا فعلى اى اساس يخطط ؟! اذا كنا نستحلب الموجود لكى نصنع منه واقعا أو افكارا فكيف أخطط وانا لا أدرى ما الذى سأفعله بعد ساعة ، جزء من عملى تلقائى يعتمد على ما يوحى الى به وجزء أخر يعتمد على مجهودى . وعليه يجب أن أكون نصف مخطط ونصف منفذ ... نصف مفكر ونصف متلقى .... نصف كاتب ونصف قارىء ، انما السيد فى النهاية هو الفكرة وما يتفتف عنه ذهنى . لانها متى جدت ستتولى حياتى كلها يمكن لها أن تسجننى لمدة شهر فى مكتبى ... أو ترسل بى الى مكان أخر فى العالم ، عندما تاتى الفكرة اتحول انا الى وسيلة من وسائل التحقيق الكامل المتقن .
* وفق المنظور الذى طرحته يوما من أنه من الصعب على المرء أن يتحرر من تناقضاته لانها مسألة تحتاج الى سنوات . كيف يمكننا أن نوكل عملية التغيير الى انسان مثلك غارق فى المتناقضات وما هو الذى يمكن أن يكون عليه الحال اذا كنت حاكما ؟
* أولا أنا لا أصلح حاكما على الاطلاق ، والسبب أن عمل الحكام هو أن يقدموا الحياة لا مثالى كى يفكروا . الحاكم ليس من عمله الاساسى أن يفكر وانما أن يقدم الحياة للناس .
** معنى هذا أنك لا تصلح لان تدبر حياة ؟
* لا اصلح لان أدير حياة . أنا محتاج دائما لمن يدير لى حياتى الشخصية . ولولا ان أعطانى الاله سيدة فاضلة تدير حياتى باتقان شديد وتضحية منها بالغة لما أستطعت أن أعمل أو أفكر كلية . انها مديرة عظيمة وعبقرية واليها يرجع الفضل فى اننى أعيش وأحياوأودى وظيفتى التى لا اصلح لسواها . فاذا اخذت منها العنان وأدرت حياتى لوقعت فى غلط كبير وهنا ساتخلى عن دورى ككاتب .
** ولكن على الصعيد الاشمل الست معى بأن الحاكم أيا كان فهو بشر ومن الصعب عليه كانسان أن ينمط سلوكه على أساس مبادئه دائما ؟
* لابد للحاكم أن ينمط سلوكه على أساس مبادئه فهذا جزء من وظيفته كحاكم . لا يمكن أن يبشر بالاشتراكية ثم يذهب ويعيش فى قصر شامخ .
* كلنا فى حقيقتنا هكذا لاننا حتى لو كنا حكاما فلسنا بانبياء ؟
* كلنا كذلك ومن أجل ذلك لا نصلح حكاما . الحاكم لابد أن يلتزم . فى يوم من الايام كنت ضد " تبتو " لانه رغم انه اشتراكى كانت لديه جزيرة مثل الجنة بها غلمان وحور عين وما يشتهون . لو عاش حقيقة وسط الشعب اليوغسلافى وعرف أكثر تناقضاته لما أعتمد على نفسه كحاكم يستنبط الحلول للمشاكل المتراكمة الى الان بلا حل . لا يمكن لحاكم يبشر بالاشتراكية ويعيش بأسلوب غير أشتراكى أو حاكم يبشر براسمالية وبعيش بأسلوب اشتراكى .
* العاصفة قادمة واسرائيل لن تتركنا فى سلام
** ولكن احيانا ما تتغلب النزوة أو المصلحة على المبدا ؟
* النزوة موجودة ولا يمكن أن نجريها مجرى القانون أو أن نرتب على اساسها قانونا . النزوة تحدث وكذا الخطا ولكن أنا كحاكم لا يمكن أن أقول انه يجب أن تكون لدى نزوات .
* * النزوة عارض يأتى عفوا بلا مقدمات بل أن هناك من الحكام من يصيغ قوانين تتفق ورغباته وأهوائه ومصالحه ، بمعنى أن النفس البشرية تنمط القوانين وفقا لرغباتها ؟
* من أجل هذا يتميز حاكم عن أخر وذلك حينما يغلب المصلحة العامة على النزوة ومن أجل ذلك يرحب الشعب بحاكم ولا يرحب بحاكم أخر .
** دعوة يوسف أدريس الى الحرية دائما وأبدا كانت تعكس انطلاقة لحرية غير منضبطة ... حرية عبثية لا يمكن حدها أو الوقوف أمامها ؟
* حريتى ليست عبثية كما تتصورين مطالبتى بالحرية المطلقة لا تعنى ذلك .
* أقول عبثية لانه لا وجود لحرية مطلقة بلا ضوابط ؟
* لا ............ هناك الحرية المطلقة وسيصل اليها الكثيرون .
* الحرية المطلقة تعنى الفوضى ؟
* نعم الفوضى ولكن فوضى من ؟ لا يمكن أن ناتى فى مصر مثلا وننادى بحرية مطلقة . لان الفوضى التى اعنيها هى فوضى شعب وصل الى درجة من التقدم تسمح له بان تكون فوضاه رقيا ولا يمكننا نحن أن تصل ذلك الابعد أن نحقق الاساسيات من أكل وشرب وعمل وجنس فى أطار منظم تحل فيه المشاكل ويصبح أساسا ثابتا ومتعارفا عليه عبر أجيال وأجيال . هنا فقط يمكن أن نستمتع بحرية مطلقة أو ما تسمينه بالفوضى ... فيمكن للمرء حينئذ أن يمارس أى عمل ويقيم أية علاقة خارج خلية الاسرة . بحيث تصبح الحياة من الغنى بشكل يسمح للكائن البشرى – لو أراد – الانطلاق فى دائرة أوسع .
** وفقا لهذا فان الحرية المطلقة لا يمكن تطبيقها على شعب فى العالم اليوم لان البشرية لم ترس كل الاساليب التى تحتاج اليها المجتمعات ؟
* الحرية المطلقة موجودة فى مجتمعات قليلة مثل السويد والنرويج والدانمارك تجسد نموذجها فى كاتب سويدى التقيت به يعيش مع فتاة بلا زواج وانجبا ثلاثة أطفال وعندما سألته لماذا لا يتزوجها قال لقد وصلنا الى ان هذه ليست مشكلة . والغريب أن كليهما يخلص للاخر طالما وجدا فى مكان واحد . اما اذا سافر أحدهما الى بلد أخرى فله أن يستمتع بحريته كاملة . انه اخلاص جغرافى . وعليه فان هذه الحرية ليست بمبثية كما تتصورين .
** بعبدا عن مفهوم الحرية المطلقة فان نجاح الحرية لدينا غالبا ما يقاس بمستوى الاخلاق الموجود . ماذا بالنسبة لنا والاخلاق هنا تتحلل وتتجزا يوما بعد يوم ؟
* لدينا أزمة أخلاق شديدة مبعثها الازمة الاقتصادية . فاذا حلت هذه حلته الازمة الاخلاقية الى حد كبير . والازمة الاقتصادية لا تعنى قلة موارد وانما سوء توزيع الموارد . فلا يمكن ان أعين شخصا ب300 جنيه فى بنك استثمار وأعين زميلا له بثلاثين جنيها ونتحدث عن الاخلاق ، عندما أساوى بينهما فاننى أجب على الاقل سبعين فى المائة من العوامل التى تؤدى بأحدهما الى الانحراف .
** قلتم أننا اذا نظرنا الى الحاضر نظرة حقيقة لوجدنا فيه كما هاتلامن الغرابة والتناقضات التى يعجز أى روائى عن نقلها أو تجسيدها . وفى الوقت نفسه رفعتم شعار مؤداه يجب تغيير هذا الحاضر ... كيف السبيل الى هذا؟
* لابد أن نغير الحاضر والاغيرنا ... وذلك بأن نسمح لقوى التغيير فى المجتمع أن تقوم بعملها ولا نقف أمامها .
** ما الذى تعنيه بقوى التغيير ؟
* الاراء الشابة غير المطروقة ... أن أسمح للقوى الشابة فى المجتمع بالنمو وبطرح أساليب وافكار جديدة على المجتمع ... وهذه سيتبناها الكثيرون ويشرعون فى تغيير حياتهم على اساسها . أن الذى يحبس التغيير اساسا هو حبس فكرى ينحى الافكار الجديدة .
* * لايجاد قوى شابة ناضجة لابد من توفر واجهة التربية كممارسة لا مجرد كلام لان التربية سلوك قبل أن تكون كلاما وهى الواجهة التى تكاد تختفى اليوم فى مجتمعنا .
* هذا لانه فى الوقت الذى انحلت فيه الاسرة كخلية تربية انحلت مدارسنا كوسيلة تربية وبالتالى ضاع الطفل بين أسرة مفترضة وتربية مسلسلات التليفزيون والشلة والاصدقاء وهؤلاء غالبا ما يكونوا فاسدين .
** واجهة التربية ضعفت من جراالفهم الخاطىء لشعار الديمقراطية . بل أن البعض اليوم لا يحبذ الديمقراطية كوسيلة على اساس أنها ليست لاصلاح الفرد وانما لاطلاق حريته ؟
* هذه أية ناقصة مثل أية " لا تقربوا الصلاة " الديمقراطية تصلح المجتمع وبالتالى تكون أدارة لاصلاح الفرد . لانه لا يمكن اصلاح أخلاق الست الاعندما تبدين بأخلاق الشارع وليس العكس وفق ما يقال من أنه يجب أن نبدا بالبيت .
* فى معرض الحديث عن الامال الكبار ليوسف أدرايس ، منذ أواخر الاربعينات وأوائل الخمسينات كنت تحلم بتغيير العالم كله . والتساؤل هل أمكنك الان تغيير ولو جزء منه ... هل كان لك صدى ... هل مازالت رغبة التغيير معك الى الان أم انك فقدت الامل مع انعدام النتائج والمحصلة ؟
* لا أستطيع أن أجبك الامن خلال قصة " سان سيمون " عندما فشل كرجل أعمال ، فكان خادمه يوقظه يوميا قائلا :
" سيدى استيقظ ان مهمة خطيرة تنتظرك وهى تغيير العالم " فكان يستيقظ ، فى لمحة خاطفة الان زرت زيارة عابرة لاحلامى فى الخمسينات والستينات وتنبهت منها على بدايتى ... ومن خلالها اقدم لك تقريرا مفاده أن احلامى كانت كبيرة جدا .
** ولكنك بالطبع كنت تدرك أن الاحلام الكبيرة لابد أن يكون وراءها مشاق أكبر ؟
* صحيح ولكن لم أتصور أن الخطر سيأتينى من حيث لا أتوقع . كانت أحلامنا أن نشيد ثورة فكرية فى مصر . تماما مثلما حلم عبد الناصر بثورة سياسية ... حلمنا بثورة فى الفكر والفن والابداع . واعتقد أن جزء كبيرا من هذه الثورة – على خلاف الثورة العسكرية – قد تحقق بدليل أن العالم العربى كله الان يمر بثورة ابداعية .
** ولكن ما الذى أدى الى الانتكاسة الطارئة التى تعانى منها والتى خيبت أمالكم فى تشييد ثورة فكرية حقيقية ؟
* السبب أن الخطر جاء للثورة الفكرية الجمالية من حيث لا تتوقع . جاء لها من ثورتها السياسية والتى كان من المفروض أن تتكامل معها . فالضربة جاءت من حليف . فى حين أنه كان من المفروض أن يتكامل معها . بل أن عبد الناصر نفسه تنبه الى ذلك فى أواخر حكمه عندما ظهر له ان صناعة الجيل الذى يرث الثورة ويفكر ثوريا أهم بكثير من السد العالى والمنشأت التى تقوم الثورة بصناعتها . فصناعة هذا الجيل لا يمكن أن تتم الابالصناعة الثقيلة للانسان وهى الكاتب والفكر . ولكن للاسف تنبه عبد الناصر فى وقت متاخر بعد أن أمضى معظم فترة حكمه فى محاربة الكتاب والمفكرين . لقد أصطدمت الثورة بالمفكرين صداما طير احلام المثقفين وفى نفس الوقت اضعفت الثورة لانها لم تجد العقل .
* * ماذا عن رقعة الابداع الان . هل ما زالت هناك خصومة بين القيادة السياسية والمفكرين ؟
* لعل سر ترحيب الشعب المصرى كله بحكم حسنى مبارك بالذات أن حسنى مبارك يوحى للناس – مثلما حدث عندما قابلته – بانه انسان لا تحركه الطموحات الفردية . لقد رحب المثقفون بهذا لانهم أولا ضد الفردية وثانيا لان بعض من حكموا مصر فى السابق أقحموا أنفسهم فى قضايا الثقافة والفكر بطريقة تشل الثقافة والفكر ماوتسى تونج كان شاعرا ولكنه لم ينافس الشعراء بل قد يملك المرء بذور الكتابة ولكن حال شروعه فى القيام بثورة نجده يتبنى قضايا الادارة ويترك لكل مجالاته . وهذا ما حدث لحسنى مبارك وجدناه فى الاقتصاد والفكر يعطى لكل مجالاته . فتولد نوعا من الارتياح بان هذا الرجل لايفرض نفسه على تفكير الناس ككل . بل على العكس قد يتطلع اليه البعض لكى يختار ما بين التيارات الفكرية المختلفة أما الاخرون فكانوا يريدون الانفراد بالتفكير والوجود .
* * هذا ينبؤ عن فترة يسود فيها التحالف والتكامل بين الخط السياسى والخط الفكرى . ما هى أحلامكم ؟ أخاف الايسود السلام الشرق الاوسط بسبب تصرفات اسرائيل . الان أحلامنا أن تعود مصر قوية وأن يعود لها دورها فى المنطقة ، الاحداث التى وقعت جعلت الكثيرين يتصورون أن حل مشاكل مصر هو – للاسف – بأنكماشها داخل حدودها وقناعتها بدور متواضع وهذا ما لا يمكن أن يكون اليوم ؟
** نغمة التشاؤم التى أبديتموها الان من أن السلام ربما لن يسود المنطقة لفترة طويلة ، هل مبعثها مفاوضات لبنان الجارية الان والتى قد تستغرق فترة طويلة ؟
* هذا جزء من كل . أن كم التناقضات الموجود فى المنطقة هائل ومخيف وفى هذه الفترة بالذات .
** هل يعنى هذا أن علاقات السلام التى اقمناها مع اسرائيل بعد ثلاثين عاما من العداء عديمة الجدوى ولم تؤت ثمارها ؟ لقد حيدت اسرائيل حكومة الرئيس السادات . ولكنها لم تستطيع تحييد حسنى مبارك الذى خاض هذه المعركة كأحسن ما يكون القائد العربى .
** ما الذى تعنونه بالمعركة التى خاضها الرئيس مبارك ؟
* بعد الاتفاق على جلاء اسرائيل عن سيناء تاكد لمصر نوايا اسرائيل الاستعمارية تحت دعاوى التطبيع . وظهر ذلك جليا عندما أرادت فرض ارادتها بالاصرار على ان تدرج القدس ضمن زيادة الرئيس مبارك لاسرائيل كان رفض مبارك الذهاب الى القدس معركة فاصلة لها دلاتها وأهميتها ... كنت أيامها فى الهند ورايت الناس وهم يترقبون ردود فعله . أحسست بأنه لو ذهب للقدس فلن تبدا مصر عهدا جديدا . سعدت لانه رقض وجئت الى القاهرة وطلبت مقابلته خصيصا .
* * لقد قطع خط الرجعة على اسرائيل التى كانت تبيت النيه فى شن غزو على لبنان أثناء تواجده فى القدس ؟
* انا شخصيا أرى ان اسرائيل لن تتركنا فى سلام . أمامها مهمة فى الشرق الاوسط تحاول انهاءها . وعليه يجب ان ياخذ بناة الاستراتيجية المصرية هذا فى الاعتبار لن أطمئن لاى حاكم فى اسرائيل حتى لو كان أخى . سيكون من السذاجة أن أطمئن له وهو يملك هذه الالة العسكرية الجهنمية . كبر حجم هذه الالة . حتى لو كانت تدار بملائكة – يدعو الى الخوف والحذر . لابد أن ناخذ موقفا حذرا من اسرائيل .
***** لابد من التكامل بين الثورة السياسية والثورة الفكرية
***** اسرائيل لم تستطع تحييد حسنى مبارك . ورفض الذهاب للقدس كان معركة فاصلة لها أهميتها ودلالتها
** بعيدا عن اسرائيل اتساءل ... ما هى هوية يوسف ادرايس الحقيقية خاصة وان رجل الشارع قد يختلط عليه الامر ... فانت قد تلبس ثوب الاشتراكي ..... وقد تدافع عن الراسمالية .... وقد تعكس وجهة نظر اليسار ... وقد تميل الى الليبرالية .... فمن أنت ؟
* لست بغربى أو شرقى ..... ولست بشيوعى أو أخوانى . أنا تلميذ الحركة الوطنية المصرية . عندما كنت طالبا فى الثانوى انضممت للاخوان المسلمين ومصر الفتاة والوفد . عندما كنت فى الجامعة انضممت لبعض التنظيمات الشيوعية واللجان وطنية خاصة بالطلبة والعمال وللجنة التنفيذية العليا للكفاح المسلح التى انشاناها فى الجامعة . دخلت السجن لاننى كنت ضد الثورة فى أولها عندما كانت ديكتاتورية عسكرية . تعلمت فى السجن أشياء كثيرة . سجنت مع الشيوعيين والاخوان المسلمين وعايشتهما عن كثب . كانت تجربة غريبة اتهمت فى السجن بتحريض الشيوعيين والاخوان المسلمين ضد ادارة السجن كل ما فعلته اننى نبهتهم الى ضرورة ارسال برقيات الى الهلال الاحمر لاطلاعه على وضعيتهم فى السجون . وجاءت سيارت الهلال واجرت فحصا شاملا .
** اذا توقفنا عند الاشتراكية هل يمكن وصفك بالاشتراكى ، ومع تشعب الاشتراكية وتعددها ، أى مذهب اشتراكى تعتنق ؟
* أنا مع أشياء وضد أشياء ، ليتنا كنا فى العصر الذى كان يمكن للمرء فيه أن يكتفى بأنه اشتراكى . لان الاشتراكية وقتئذ كانت بسيطة ولم تكن تكن تحكم . كان وجهها النظرى هو وجهها العلمى . الان دخلنا فى انماط كثيرة جدا من الاشتراكية لدرجة أنها باتت تجابه بعضها البعض .... فهناك السوفييتية والصينية والكوبية واليوغسلافية والناصرية .
** ولكن رغم ذلك فلا يزال الاساس فى الاشتراكية قائما لم يتبدد ؟
* بالطبع وهذا هو أنا ..... فانا اعتنق الاساس فى الاشتراكية . ومن هذا المنطق أنا ضد استغلال الانسان للانسان .
** هل هذا ما عنيته فى مسرحية الفرافير سنة 1964 والتى جسدت من خلالها مشاكل الناس اليومية والابدية . وهل ما زالت المشكلة الى اليوم هى مشكلة العلاقة بين الحاكم والمحكوم ؟
* خلافا للاستغلال الاقتصادى فأنا فى مسرحية " الفرفير " أضفت الاستغلال حكما . أى أضفت بعدا أخر للاشتراكية وهو البعد الديمقراطى الليبرالى . بمعنى أنه لا يكفى أن نلغى استغلال الانسان للانسان اقتصاديا وانما يجب الغاء الاستغلال التسلطى والذى يوجد داخل الاحزاب الاشتراكية وحكومات الكتلة الشرقية .
** يوسف أدرايس اشتراكى اذن بالمعنى الليبرالى الحر ؟
* أنا اشتراكى ديمقراطى ثائر على الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية الموجودة حاليا فى أوروبا .
** أنت ضد أمور فى الحكم الليبرالى الغربى ... أنت مثلا ضد المحافظين والعمال فى انجلترا ؟
* لانه فى الواقع حكم طبقى . أن وجود الامبراطورية البريطانية الضخمة فى البداية هى التى عوضت الطبقة الانجليزية العاملة او سدت الفجوة بين العمال والمحافظين . ولكن الفجوة انكشفت فيما بعد ... دخلت العملية فى صراع طبقى . الان المحافظون فى انجلترا يحكمون حكما طبقيا راسماليا عنصريا ... فى زيارتى الاخيرة لانجلترا لم اجد فيها وجها لاسود مع أن نصفها كان من السود أخرجوا الملونين من أفارقة وهنود . بدات انجلتر تحكم حكما طبقيا وهذا يكشف عن أن الطبقة كانت موجودة بداية غاية الامر أنها أرتدت قناعا أخفى حقيقتها .
* انتقدت الاحزاب الاشتراكية الحاكمة فى الكتلة الشرقية وانتقدت التجربة البريطانية . ما هى حقيقة ما تنشده ؟
* أنا لست غريبا أو شرقيا . أنا أنسان يبحث عن الحقيقة .أومن بالانسان وبالقدرات المكتشفة لديه والتى لم تكتشف بعد . مؤمن بحق الانسان فى الحرية وانه انضج مليون مرة من الحكام الذين يشيعون بانه ليس جديرا بالحرية . حتى الفقراء فى العالم لا أعتبر مشكلتهم الفقر ، بل قد يكونون أكثر غنى من الاغنياء أنفسهم . الهند دولة غربية مثل السويد والنرويج وبلجيكا .
** عود الى الاستغلال التسلطى وعود الى مشكلة الحاكم والمحكوم . قد يشعر المرء اليوم أن يمارس الاستغلال التسلطى هو المحكوم لا الحاكم ؟
* هذا سببه أيضا التسلط . ففى الوقت الذى تطلعنا فيه الى الحرية لكى يتربى هذا الشعب سياسيا قالوا : لا " اشتراكية " وفى الوقت الذى نحتاج فيه الى الاشتراكية رفعوا شعار : " الحرية والديمقراطية " أننا نفتقد حقيقة وجود جهاز سياسى قوى حاكم ... ففى ظل حكومة قوية تتواجد معارضة قوية . الحكومة القوية ليست مجرد حكم فقط وانما تنظيم الامور فى الحياة . الخدمات أمور حكومية . لا يمكن لانسان أن يفهم فى السياسية وهو لا يملك خدمات . اذا لم أجد ماء لغسيل وجهى فلن أفكر فى السياسية ولن أتمكن من المعارضة ولا من التفكير فى اى اتجاه أسلكه . أن جهاز الحكومة فى مصر اليوم وعقب التجارب التى مرت بنا قد اهترا من الداخل بعد أن اجتذبت الدول العربية أحسن ما فيه من كفاءات . بل أن الشباب الجديد لا نمنحه وظائف قيادية الابعد أن تتنبه الدول الاخرى لقدراته وتسارع باجتذابه . أن الجهاز الحكومى لدينا متخلف عقليا اذا قيس باجهزة حكومية فى دول أخرى . ومع هذا يحكم بهذا التخلف . أن أخطاء كثيرة مما تحدث فى مصر الان سببها ما عاناه الجهاز الحكومى من تخلف وغباء . عدونا الرئيسى ... الجبن والخوف من أتخاذ القرار ....... والغباء والسرقة . ليته كان جهازا قويا ذكيا . لكن أن يكون ضعيفا وغبيا وسارقا فهذه هى الكارثة .
* * هذا يعكس تمرد يوسف ادرايس الحاد على كل شىء ..... والتساؤل : هل ما زال تمردك فى الماضى أم خضع لنوع من التطويع القهرى أو الارادى وفق الظروف والملابسات التى تمر بها وتعايشها ؟
* تمردى اتخذ اشكالا الان اكثر فعالية ....... فى الماضى كان تمردى يحدو بى الى الانزلاق للاصطدام بسهولة . الامر الذى كان يخلق لى مشاكل كثيرة يومية معطلة .
** المرونة جنبتك الاصطدام بالعقبات الفرعية ؟
* اننى أوفر جهدى للعقبات الرئيسية . فمثلا بالنسبة للمسرح بدلا من ان أركز على مشكلة غياب الممثلين فى الدول العربية أو مشكلة الجمهور الذى بات كقطاع خاص أركز على النص وهو العقبة الرئيسية وأحاول كتابة مسرحية جادة حتى لو لم تر النور .
** أزمة يوسف ادرايس هل هى بحث عن النفس أم بحث عن الاخرين ؟
* نفسى ليست ضائعة منى . ولم يحدث أن ضاعت منى . أنا أبحث بنفسى عن الاخرين كمنقذ لنفسى . انا مثلا أومن بان اللصوص المليونيرات فى منتهى السذاجة والبله . من يفكر أن يكون لديه 140 مليونا الا يفكر كيف يعيش بهذه الملايين فى مجتمع فقير ؟ أنه لن يسعد ابدا لان الفقر فى مصر عار بدون ورقة توت . أى أن الغنى سيجد نفسه فى غابة من الفقر . وسيشعر حينئذ بالذنب تجاه الفقراء . وهذا احساس يميت . السعادة الحقيقية أن يسعد المرء فى مجتمع سعيد ويثرى فى مجتمع ثرى . الثراء فى مجتمع فقير جريمة ضد الثرى أولا .
** من خلال المعاناه شيدت نظرية مفادها أن الكاتب لابد أن يتالم الما حقيقيا لا مصطنعا . ذلك أن التعود على الالم يحدو الى الدهشة والاستغراب ويخرج بالكاتب عن اطار الحياة الروتنية المعتادة الى حياة جد مختلفة ، والتسأؤل : هل توفر لك حياتك الحالية الصدمات الكافية للابداع والكتابة ؟
* أنا اتالم أكثر من الاول.معانتى اليوم أكثر ، لا أعنى بذلك المعاناة اليومية العابرة وانما معاناتى عندما أضع نفسى اليوم على نبض شعبى كى أرى ما يريده .... شكل الفن الذى يتطلع اليه .... هل يريد مسرحية تنتقد له الاوضاع الموجودة أم مسرحية تشيد ببطولته أم مسرحية يعود فيها التواصل ما بين الناس .... أم مسرحية تكشف الاجرام الذى وصلت له بعض العلاقات الاسرية . معاناتى أن أضع أذنى على النبض الداخلى للشعب – لكى أصل الى هذا فهو فى حد ذاته الم . تحدثينى اليوم وانا خارج لتوى من معاناة . لقد مكثت أربعين يوما لاننى أريد أن أكتب قصة قصيرة . كتبت أربعين قصة خلال الاربعين يوما ولكنها ليست هى ما اريد .... الا يشكل هذا معاناة ؟
** منذ سنة 1979 الى الان لم تعتكف هل يعنى هذا انك لم تستهلك رؤيتك بعد ، خاصة وأن الرؤية قد تتوتر ... تغيب ... تتمنع ... تتمرد تماما كصاحبها ؟
* اعتكافى كان لمرض ودخول المستشفيات كنت مثل السيارة التى تدخل الورشة لكى تصلح .
** ولكنك كاتب لا تكتب الا اذا شعرت بأن ما تكتبه اليوم ستشيد من خلاله شيئا جديدا يختلف عما شيد بالامس . ما هو الجديد الذى يمكن لك أن تشيده ؟
* هو النداء الحقيقى الخفى الذى يكمن فى الشعب المصرى . هو " الامل الصعب " وهذا ليس بالتفاؤل السهل أو المشوب بالحذر أو التشاؤم ... وانما " الامل الصعب " ... أتطلع الى أن أصل اليه تجسيدا على المسرح ... أو عبر قصة أو رواية أو مقال . مهمة الانسان أو يعطى ذهنه الاحساس وتتولى اجهزة اخرى عملية الهضم والافراز . فى أغلب الاوقات قد ياتى الانتاج تلقائيا وفى أحوال قليلة جدا يرجى ظهوره . وذلك لان الانتاج بالنسبة للفنان ليس مسألة أرادية . أنا أحسد الكاتب الذى يمسك بالقلم ليكتب فيكتب . أنا ككاتب وسيلة مجتمع للتخاطب مع نفسه . وكما يظهر الكاتب للمجتمع على انه غاية يظهر لنفسه ايضا على انه غاية وعلى أنه هو الذى يخاطب الناس فالناس تخاطب ذاتها من خلاله فهو أشبه ما يكون بالمادة عندما تصل الى درجة الوعى بالمادة . فالكاتب وسيلة الحياة لمخاطبة الانسان . الكاتب مثل مركز الكلام فى العقل . فالانتاج هنا يحوى جزءا اراديا ولكن أغلبه أو الدافع له غير أرادى .
* غلبة العاطفة على العقل من سقطات الانسان ، وهى أحدى سقطات يوسف أدرايس الذى نصب عاطفته ديكتاتورا متحكما فى عقله ؟
* ليس هذا مقصورا على وحدى . انها سمة الجنس البشرى . وانا فخور بهذا لان الجنس البشرى . وانا فخور بهذا لان الجنس البشرى هو القادر على اعطاء العواطف .
** فى فترة أحس المرء بانك خضعت للدنيا واستسلمت لشهواتها . هل كان هذا لمجابهة تحدياتها ....؟
* أنا لست معك باننى خضعت لشهوات وأغراءات الدنيا . ولو اننى فعلت ذلك لاقمت فى الريفيرا أو لوزان مثل الكتاب العالميين زملائى ... فانا لا اقل عنهم سواء بالنسبة للموهبة أو القدرة على كسب المال أنا أعيش فى أطار توازنى لست غارقا فى ملذات الدنيا ولست متقشقا .
** الممكن والمثال بالنسبة ليوسف ادرايس ؟
* هذه حياتى ... فهى ممزقة بين الممكن والمثال . المثال أن أرضى عن نفسى كل الوقت والممكن أن أرضى عنها بعض الوقت .