|
الكاتب/ فتحى رضوان
|
|
|
سألنى أحد الصحفيين الاجانب ، فى المؤتمر الصحفى الذى عقدته فى وزارة الارشاد القومى منذ بضعة أسابيع عن الهيئة التى وضعت الدستور .... وقد كان يودى أن أقول له أن الشعب هو الذى سيضع الدستور ، ولكنى خشيت وقتذاك أن يظن هذا الصحفى الاجنبى أننى العب بالالفاظ ، أو اننى أريد أسمع الصحفيين الاجانب والمصريين كلاما خطابيا ، أعتاد الساسة أن يستعملوه ، ويلجاون اليه ، كلما أحرجهم موقف ، أو سد فى وجههم سبيل ولم يكن فى وسعى أن أفصل له الامور ، وأوضحها له له ، اذ كان مشروع الدستور لا يزال تحت البحث والدرس ، فى مجلس الوزراء والثورة ولكن علم الله ، اننى قصدت كل حرف فى هذه الكلمة ، فالدستور سيطرح فى أستفتاء عام ، وهو أمر بالنسبة لمصر ، جديد غاية الجدة ، فقد كانت الانتخابات العامة هى أقصى ما وصل اليه الشعب فى ممارسة حقوقه الانتخابية ، وتقرير مبدا " الاستفتاء " اى الرجوع الى كل ناخب فى الامة ، هو خطوة الى الامام بلا جدال بل هى اقصى ما وصل اليه التفكير الدستورى ذلك لان الاستفتاء هو شراك لكل فرد فى شئون بلاده
، وسؤاله عن رايه فى هذه الشئون ، ولا تكاد الشعوب تحصل على حق ولو كان صغيرا ، حتى تتمسك به ، وتعض عليه بالنواجذ ، ثم توسع فيه وتعمق ، وتطول فيه وتعرض ، حتى يصبح شيئا كبيرا جليلا لايكاد تقوى قوى الارض ان تنزعه ولو راجعت تاريخ الامم الدستورى ، لوجدت أن حقوق الشعب كلها بدات ضئيلة مهنية ثم كبرت ونمت ، أشبه شىء بالبذرة الصغيرة تلقى فى حيز ضيق من الارض ، تحت طبقات الثرى لا تراه الاعين ، ولا تأبه بها الانفس ، ويجهل الجاهلون انها ستكون بعد حين قليل شجرة باسقة ذات افرع ، وأن ظلها سيظل العشرات والمئات من الناس . ولن يستفتى الشعب فى الدستور فحسب ، بل سيستفتى ايضا فى رئيس الدولة ويستفتى فى كل تعديل فى الدستور فكلمة الشعب ستكون هى العليا حقيقة لا مجازا ولا استطيع ان اتصور مدى التطور والتغيير الذى سيترتب على هذا الحق ، حينما يوضع فى يد الشعب ، انما الذى اعرفه فعلا أن مجلس الدولة فى فرنسا بدأ مجلسنا استشاريا لنابليون يفتى له ، وينصح ، ويشير عليه ، ونابليون هو صاحب الكلمة الاخيرة ، يقبل ويرفض ، ويعدل ويغير ، ولكن مجلس الدولة أصبح بعد ذلك فى فرنسا يحكم احيانا ويكون حكمه ملزما ، ونقلت الدول عن فرنسا هذا النظام على صورة تلائم كل دولة على حدة
فلنا أذن أن نتوقع بعد أن ظفر الشعب بهذا الحق الضخم الهائل ، أن يثب وثبات فسحات تكتشف عن مدخرات نفسهذا الشعب ، الذى ما يكاد يطمئن الى قربة على أول الطريق ، حتى يعدو عدوا الى أخر هذا الطريق ، محققا معجزات أتيا بالغرائب ولو قرات المادة الثانية من الدستور
، لو وجدت اختلافا قد يخفى معناه على المتعجل ، ذلك أن هذا النص قضى بأن تكون " السيادة للامة " ، وقد كان النص القديم فى دستور سنة 1923 ، هو ان الامة مصدر السلطات ، والفارق بين النصين من الناحيتين التاريخية والدستورية كبير ، فقد كانت الدساتير التى جاءت بعد الثورة الفرنسية ، والتى جاءت على نسق دستور تلك الثورة ، تنص على أن الامة مصدر السلطات ، وذلك بقصد معارضة وهدم مبدا الحق الالهى الذى كان يقول به الملوك والذى يدعمون على اساسة وجودهم فى عروتهم فقد كان الملك فى حاجة الى سند يسند ملكه وحكمه وعرشه ، وكان فى حاجة الى حماية تحميه من مطالبة الشعوب بأن تحكم ، ولم يكن ثمة سند الا أن الله أختار الملك ، ليحكم . وكان القصد من ذلك أيضا أخافة الشعب ، من المساس بحق الملك ، لان فى هذا مساسا بحق الله ، منحه لاحد عباده . وقد كان هذا هذا الزعم تراثا قديما متخلفا من أقدم العصور التى كان يسودها الاعتقاد بأن الملك هو أبن الله ، أو هو الله نفسه ، وهى عقيدة لا تزال بقية منها تعيش فى بعض الدول الحديثة ... لذلك كله احتاج دستور ثورة سنة 1789 ، والدساتير التى نسجت على منواله ، أن ينص على أن الامة مصدر السلطات ولكن هذا النص لم يعد كافيا ، فقد تكون الامة مصدر السلطات ، لغيرها أو تتنازل عنها ، أو تفوض فيها .وبهذا ينفتح باب كبيرا للفساد ، يهدم الدستور من اساسه ويحليه حبرا على ورق . ولذلك فطنت الدساتير الى نص جديد ، أو قل حكم جديد ، هو " أن السيادة للامة " . وقد ضمن دستورنا الجديد هذا الحكم وبعد ، ماذا يسمى دستورنا ، أهو دستور راسى ، أو دستور برلمانى . والحق انه دستور مصرى ، أخذ من الدستور الرياسى بعض أحكامه ، فالرئيس يرشحه البرلمان ، ولكن يثبت وجوده ، ويختاره للرئاسه الشعب فى استفتاء ، وهو رئيس الدولة ورئيس الوزارة فى الوقت نفسه والوزراء مسئولون امامه ، ومسئولون فى الوقت نفسه والوزراء مسئولون امامه ، ومسئولون فى الوقت نفسه امام البرلمان ، هو يملك أن يعفيهم من مناصبهم والبرلمان اى مجلس الامة ، اذا صوت ضدهم يفقدون ثقته ويستقليون . فهذا كله مزيج لم يراع فيه النقل من دستور ، أو التأسى بأمة بقدر ما قصد به أن يكون عملا دستوريا نيابيا مصريا قوميا ، يطابع عاداتنا ، ويوائم حالتنا ، ويسد الثغرات فى نظام الحكم فى بلادنا .
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |
|
آخر تحديث ( 29/01/2008 )
|