قضية الجزائر
كان الاعتقاد سائدا فى وقت من الاوقات بأن الجزائر فقدت شخصيتها بعد أن طبقت فيها سياسة استعمارية كاملة شاملة . ولكن الشمالية بأقطارها الثلاثة هى فى الواقع قضية واحدة ذات ثلاث شعاب وان الروح القومية لا تزال فى الجزائر حية مثل تونس والمغرب وتلخص قضية الجزائر الان كما يبسطها المتكلمون باسم الثوار الجزائريين فى البنود الاتية :
1- للجزائر كيان خاص وللجزائريين شخصية خاصة .
2- للجزائر الحق فى أن تتمتع باستقلالها .
3-الاجانب ، ومعظمهم من الفرنسيين ، لهم أن يصبحوا جزائريين ويتمتعوا بالحقوق التى سيتمتع بها الوطنيون ، ولهم أن يحتفظوا بجنسيتهم فيكون شأنهم شأن الاجانب فى كل بلد مستقل وللوصول الى هذا الهدف ، قامت الثورة الحاضرة فى الجزائر هذا من ناحية الوطنيين أما من ناحية الفرنسيين فان حكومة فرنسا .
- أو الحكومات التى تعاقبت على فرنسا – اعترفت بخطورة الحالة وبأن قضية الجزائر تتطلب حلا ولكنها عجزت الى الان عن ايجاد ذلك الحل .
الثورة
نشبت الثورة الحاضرة فى أول نوفمبر 1954 فى جبال أوريس . وكان اسم قائدها مجهولا ولكنه أذيع فيما بعد . فهو " محمد بن بلة " من الضباط القدماء الذين حاربوا فى الجيش الفرنسى . ومعه هيئة أركان حرب تضم كثيرا من زملائه الذين كانوا معه فى الجيش ومن قواد المناطق الثائرة المعروفين " كريم بلقاسم – طاهر نويشى – وابن مصطفى – والاخضر – وعاشور عباس "
الثوار يسمون أنفسهم " جيش التحرير " والهيئات العاملة معهم تسمى " جبهة التحرير الوطنى " والمظنون أن عدد جيش التحرير يبلغ نحو 15 الف مقاتل . وان كان الاعتقاد السائد أن ثلاثة الاف فقط منهم مسلحون تسلحيا كافيا . وثورتهم تشبه حرب العصابات . القائمة على وضع كمين ثم الهجوم الخاطف أما الفرنسيون فقد أرسلوا الى الجزائر ربع مليون جندى للقضاء على هذه الثورة ، فعجزوا عن ذلك ولفرنسا ، فى غير الجزائر ، نحو ماية الف جندى فى المغرب و40 الف جندى فى تونس قد دخلتا – بالنسبة الى فرنسا – فى طور التفاوض للحل النهائى ، فان الثورة لا تزال مستعرة فى جبال تونس من ناحية أخرى ، حيث أعلن القائد الثائر " الطاهر الاسود " أنه يستأنف الجهاد فثورة الجزائر اذن لها امتداد فى المغرب ، أو هى نفسها امتداد لثورتى المغرب وتونس وقواد الثورات الثلاث على وفاق وتفاهم بعضهم مع بعض ، ولهم هيئة مشتركة تعمل لتنسيق حركات الثائرين فى الاقطار الثلاثة فالثورة يمكن أن تسمى اذن " ثورة أفريقيا الشمالية " لا ثورة الجزائر فحسب ومقاومة الثورة فى الجزائر تكلف فرنسا من 15 الى 20 مليار فرنك فى الشهر . وتشغل نصف القوات الفرنسية البرية ، وربع قوة الطيران . وربع القوات البحرية .
الاحزاب الجزائرية
قبل اندلاع الثورة كان هناك ثلاث هيئات جزائرية تعمل فى الحركة الوطنية : الحزب الوطنى الذى يراسه مصالى الحاج وكان من قبل اشد الاحزاب الجزائرية تطرفا . وحزب البيان الجزائرى الذى يراسه فرحات عباس وهو الذى حاول تطبيق سياسة الاندماج مع فرنسا ، وهيئة كبار العلماء اننتى يرأسها الشيخ البشير الابراهيمى المقيم الان فى مصر ولما قامت الثورة ، تكونت جبهة التحرير . وأعلن حزب البيان الجزائرى أن سياسته قد فشلت وانه يعتنق سياسة الجبهة ويؤيد مبادى الثورة . وفعل مثله حزب كبار العلماء . وكذلك حزب مصالى الحاج لم يعلن شيئا من هذا القبيل . ويمكن القول الان كما أفضى الينا مبعوث منن جبهة التحرير ، ان حزب مصالى لا يعارض الثورة ولكنه لم ينضم اليها !
قلنا أن الشيخ الابراهيمى يقيم فى مصر أما فرحات عباس فهو باق فى الجزائر . ومصالى الحاج مبعد الى فرنسا نفسها : هؤلاء هم رؤساء الاحزاب الثلاثة أما جبهة التحرير فان لها مندوبين يطوفون العالم للدعوة للثورة وتأييدها . ومركز المندوبين فى مصر مقر مكتب تحرير المغرب بشارع عبد الخالق ثروت رقم 34 وفى فرنسا نحو ثلاثمائة الف جزائرى منهم مائة الف فى باريس وحدها . وهؤلاء جميعا لهم نشاط ملحوظ فى الحركة الوطنية . وبينهم معظم أنصار مصالى الحاج ، الذى أعلن أخيرا انه على استعداد لمفاوضة فرنسا اذا تخلت عن اعتبار الجزائر جزاء ا من أرضها أما الاحزاب الاخرى فانها تعلن أن المفاوضة يجب أن تتم مع مندوبين من جبهة التحرير نفسها لانهم وحدهم الان يمثلون الامانى القومية التى قامت من أجلها الثورة .
الاحزاب الفرنسية :
وهناك حقيقة واضحة ، وهى أن حكومة فرنسا – أياكان لونها – تريد لقضية الجزائر حلا تتجنب به ما تنطوى عليه ثورة الجزائر من خطر على فرنسا نفسها ولكن الحكومة التى تجد مثل هذا الحل هى نفسها لم توجد بعد فى فرنسا ! فالاحزاب فى المجلس الوطنى الفرنسى منقسمة الى فريقين واضحين : أحزاب اليمين واحزاب اليسار . الاولى تريد ابقاء الحالة على ما هى أو تطبيق سياسة استعمارية صريحة تبقى حكم فرنسا مفروضا بالقوة على الجزائر . والثانية تريد العكس ، أى انهاء حالة التوتر بايجاد حل يعطى الجزائريين حقوقهم أو بعضها أول من حاول ايجاد حل عادل لقضية الجزائر " منديس فرانس " ولكن حكومته سقطت قبل أن يفعل شيئا ومثله ادجار فور ........ والرئيس الحالى ، جى موليه ، يقوم بنفس المحاولة واحزاب أقصى اليسار – أى الشيوعيون والاشتراكيون – تضع له العراقيل لانها تريد قيام حكومة فرنسية من " الجبهة الشعبية " لتصبح شريكة فيها أما أحزاب اليمين – وأشدها حماسة جماعة ديجول – فانها تعارض لانها تريد سياسة استعمارية وبينما تحاول الحكومة ان تمهد السبيل للعمل فى الجزائر نفسها ، يقوم المحاربون القدماء فى فرنسا بمظاهرات لتأييد أحزاب اليمين . ويفعل مثلهم فرنسيو الجزائر وهذا ما نقل قضية الجزائر فى باريس من المجلس الوطنى الى الشارع ! فالشيوعيون والاشتراكيون أيضا ينظمون المظاهرات ضد خصومهم من احزاب اليمين وقضية الجزائر أصبحت الان محور السياسة الفرنسية ، واللعبة التى تلهو بها الاحزاب للوصول الى الحكم .
حاكم الجزائر
على راس الدوائر الحكومية فى الجزائر " حاكم " فرنسى هو بمثابة حاكم بأمره !
وكل حكومة تتولى الحكم فى باريس ترسل الى الجزائر حاكما من رجالها ! وقد فشلوا جميعا حتى الان ! كان الاخير – سوستيل – بريد أن يطبق سياسة الادماج التام . ولكن هذه السياسة فات وقتها الان . ولما تولى جى موليه الوزراة الفرنسية . خطا خطوة جديدة مبتكرة فعين أحد وزرائه فى منصب الحاكم ، هو الجنرال كاترو ، الذى أصبح " وزيرا مقيما فى الجزائر " وكاتروا له تاريخ معروف فى مثل هذه الاحوال : فهو الذى دعا الى الغاء الانتداب فى سوريا ولبنان ، وهو الذى قال بوجوب اعطاء تونس والمغرب الاستقلال ، وكان أول ما قاله عن الجزائر ان اعتبارها جزاء من فرنسا أمر لم يعد معقولا ! وأثار هذا القول المستوطنين الفرنسين الذين تظاهروا وأرغموا جى موليه ، وكان وقتها فى الجزائر ، على أن يطلب من كاترو ان يستقيل فاستقال ! وحل محله روبير لاكوست ، باللقب نفسه اى " وزيرمقيم " لكن ثورة المستوطنين الفرنسين لم تهدا بعد وحاكم الجزائر الان عضو فى وزارة جى موليه وهذا يجعل سلطته أوسع من سلطة الحاكم الذى يعمل بارشاد من وزير يعلوه فى المنصب ..... فهل تغيير الحاكم يؤدى الى تغيير السياسة ؟
سكان الجزائر :
فى الجزائر كما قلنا 12 مليونا من الانفس منهم نحو مليون وربع المليون من الفرنسيين المستوطنيين ، الذين يتمتعون بامتيازات لا يتمتع بها سكان البلاد الاصليون من العرب . والفرنسييون ، عندما يتكلمون عن الجزائر ، لا يقولون عن سكانها انهم جزائريون بل " مسلمون " وهكذا يضعون التفرقة بين الفرنسين المستوطنين وبين العرب أهل البلاد على اساس الدين وفى الجزائر ، غير الفرنسيين المستوطنين نحو مائة الف من الاجانب الاخرين . وهم متضامنون مع الفرنسيين وهؤلاء يريدون الجزائر لهم وحدهم ، دون أهلها العرب المسلمين . انهم يملكون أجود الاراضى والمزارع . وبأيديهم التجارة ، والصناعة ، والزراعة ، والمعارف وغيرها . ولهم المدارس والمستشفيات ! انهم يستغلون ويستثمرون الجزائر منذ اكثر من مائة سنة . ولا يتصورون الان أن سكانها العرب يريدونها لانفسهم ! ان لهم فى المجلس الوطنى بباريس ممتلين انتخبوهم لتمثيل الجزائر . وللمسلمين ايضا بعض الممثلين . ولو تم ادماج الجزائر بفرنسا وأعطى الجزائريون حق التصويت والانتخاب لا رسلوا الى المجلس نحو 180 نائبا يستطعيون ان يتحكموا بالاغلبية ! وهذا مالا يريده الفرنسيون يريدون ادماج الجزائر كارض ببلادهم فرنسا . ولكنهم لا يريدون ادماج الجزائريين بالفرنسيين كشعب فرنسى ......
الحلول المقترحة :
والفرنسيون يتفنون فى اقتراح الحلول لقضية الجزائر . وهذا بعضها :
1- ابقاء الحال على ما هى مع اعطاء بعض " الامتيازات " للسكان المسلمين .
2- ادماج الجزائر شعبا وأرضا بفرنسا .
3- الجلاء التام ..... وهذا اقتراح شيوعيى
4- استقلال الجزائر وربطها بمعاهدة مع فرنسا " اقتراح اشتراكى "
5- اقامة نظام واحد فى تونس والجزائر والمغرب ضمن الاتحاد الفرنسى أما من ناحية الجزائرين ، فان أحزابهم الان عدلت برامجها السابقة منذ قيام الثورة . وزعماء هذه الثورة يرمون الى هدف واحد الان : " الاستقلال ! "
" الاستقلال " هو هدف الثورة وهذا الاستقلال ، فى نظر قادة الثورة مرحلة من مراحل " الاتحاد الافريقى " أو " النظام الفدرالى " الذى يتطلع اليه الان العاملون فى حقل السياسة الافريقية الشمالية " اتحاد بين تونس والجزائر والمغرب . باعتبار أن الاقطار الثلاثة متمم بعضها لبعض . وان قضيتها واحدة ، وأمانيها واحدة وأهدافها واحدة أما العلاقات مع فرنسا ، فان لزعماء الحركة الوطنية أن يقرروها فيما بعد على اساس احترام الحقوق والمصالح أيا كانت وأيا كان أصحابها .
قال بن بلة قائد الثورة الجزائريين : " نريد حقنا ولا نريد أن نتعدى على حق غيرنا ........"
وقال محمد حنفر مندوب الثورة فى مصر : " هدفنا الاستقلال والسيادة والاتحاد الافريقى الشمالى " وهذا الهدف الذى ترمى اليه الثورة فى الجزائر ، هو الذى تؤيده الجامعة العربية التى تقف فى صف كل شعب مجاهد فى سبيل استقلاله . وهو ايضا الهدف الذى ايدها مؤتمر باندونج ، يوم قيد قضية الجزائر من بين القضايا التى يعطف عليها ويتبناها ...... وعاجلا اما اجلا ، ستعرض قضية الجزائر على هيئة الامم على هذا الاساس ، واذا كانت فرنسا ، فى الدورة الاخيرة ، قد انسحبت من الهيئة بسبب عرض هذه القضية عليها ، فانه لا يسعها ان تفعل هذا فى كل مرة ، لان الدنيا تدور ، والاحواداث تتوالى ، والتطور يتناول الشعوب والامم والاوطان ، وقضية الجزائر من القضايا التى سيتحتم على هيئة الامم ان تقول كلمتها فيها فى يوم من الايام .