العدد 1639 – 2 مارس 1956 فكرى أباظة ، المدعى العام باسم المجتمع ، يضع علماء الازهر اليوم موضع الاتهام ، فالازهر محط أمال المسلمين فى كل فج عميق ، ولكن علماءه قصروا فى أداء الرسالة ...... هذه هى عريضة الدعوى ... وهذا هو دفاع أربعة من الغيورين على الازهر ، وهو دفاع حق ، ينطوى فى أكثرة على تأييد للاتهام ، وعلى المطالبة بثورة فى الازهر يعز بها الاسلام .....
نص الدستور الجديد فى مادته الثالثة على ان " الاسلام دين الدولة " ...... وكان النص هو النص فى الدستور السابق ... و" الازهر " ........ نعم : الازهر ......
كان – ولا يزال – منذ اكثر من الف عام مفخرة الاسلام ، وحصن الاسلام ، وذخر الاسلام . وكنز الاسلام ، غمر دينه وشرعه وعلمه خمسمائة مليون من المسلمين فى جميع أنحاء العالم ، فكان كعبتهم التى حجوا ويحجون اليها ، وكان ربهم وغذاءهم الروحى والذهنى ، وكان المصدر والمرجع فى شئون الدين ، وكان الجامعة التى خرجت للشرقين الاوسط والاقصى ، لجميع القارات ، العلماء حماة الشرع والدين ...
كل هذا حسن ......
ولكن ليس هذا هو الموضوع ...........
وانما الموضوع هو :
التاليف ، التصنيف ، الكتب ، المجلدات ، الموسوعات ، المراجع ...... العلم ! ...... كنت – وانا صبى استهل المطالعة الدينية – اقراء لجمال الدين الافغانى والامام محمد عبده والسيد رشيد رضا . ومصطفى صبرى التركى ، وغيرهم وغيرهم ، كتبا ومؤلفات ومصنفات ، لرجم بعضها الى اللغات الاجنبية وانتشرت فى الشرق والغرب ، فغذت الشرق وأذهلت الغرب ....
وكبرت وترعرعت واستويت رجلا وكاتبا وقارئا ، فلم اقراشيئا " خطيرا " من مؤلفات العلماء الاعلام ، ولا مصنفات العلماء الاعلام ، ولا موسوعات العلماء الاعلام ، من " الازهريين " بنوع خاص .......
استغفر الله ......
قرات لطه حسين – بعد أن غادر الازهر بزمن " على هامش السيرة " – وقرات لحسين هيكل – وهو ليس بأزهرى ولا عالم " حياة محمد " وقرات للوتاد – وهو ليس بأزهرى ولا عالم – عبقرياته عن " محمد " و" أبى بكر " و" عمر " و" على " و" معاوية " وقرات – بجانب هؤلاء من غير الازهريين – مؤلفات عظيمة لعلماء اعلام من الهند والباكستان : بل قرات عن " الاسلام " وعن " محمد " كتبا لعلماء المان وانجليز وحتى " يهود " !..... وذاعت هذه الكتب – غير الازهرية – وشاعت ، وملات القلوب والازهان والاسماع ، وترجم بعضها الى بعض اللغات الاجنبية ، فكانت نشرا لدين الله الحق ورسوله وخلفائه . وأئمته الصالحين .... ولا أنكر اننى قرات لعلمائنا الاعلام . واستمعت ، ولكن ماذا قرات ؟ وماذا سمعت ؟ .... رسائل موجزة مخنصرة ... مقالات .... أحاديث .... فتاوى تغتصب منهم اغتصابا عن طريق مهرة الصحفيين ، محاضرات فى الراديو ......وليس هذا هو المطلوب ..... المطلوب هو :
مؤلفات ، مصنفات ، كتب ، مجلدات ، موسوعات ، مثل ذلك الفيض الفياض من مخلفات العلماء الاعلام فى صدر الاسلام ، وفى الدولة الاموية والعباسية والفاطمية والاندلسية .... ونحن فى عصر .... أى عصر ؟! ياله من عصر ! عصر تقدم فيه العلم ، علم الدين والشرع ، وحف به العلم الحديث فى عصر الذرة فكان يجب أن يكون المحصول الدينى والاسلامى أضعافا مضاعفة فى الكم وارفع مستوى بحكم كرائسيين ومر القروان ، وأقوى اثرا ، وامتن بضاعة ، وادق صناعة ! ....... العجيب ان الازهر حاشد بافياله واقطابه وجهابذته ، ولكنى اسالهم بكل خشوع وخضوع : " انتم تدرسون الدين والشريعة والفلسفة والمنطق والتفسير والحديث ...... الى اخره ، فاين اين ؟! أين مؤلفات الدين وموسوعاته ومصنفاته ومجلداته ؟ واين مؤلفات الشريعة والفلسفة والمنطق والتفسير والحديث ؟
أننا نعيش على مؤلفات الاولين ، لا الاخرين ! ويعلم الله أن أمكانيات أولئك – منذ قرون – كانت من الناحيتين الادبية والمعنوية والمادية امكانيات متواضعة محدودة ، ومع ذلك خلدوا ذكرهم وعلمهم ، وخدموا دينهم بما أخرجوه من أثار علمية لا تزال هى المرجع ، وهى المصدر ، وهى الملجا حتى سنة 1956 ! "
اليس ذلك مدهشا ؟!
أن أساتذة الجامعات المدنية تخرج كل عاما اكداسا من مؤلفات العلمية فى نطاق اختصاصهم ، فهل من مقارنة ؟ هل من احصاء ؟ هل من حسيب أو رقيب غير اللله جل وعلا أن علماءنا الاعلام لهم منا كل التجلة والاحترام ، وفى الازهر العظيم الخالد هيئة كبار العلماء ، يسند ظهرها عشرات ومئات العلماء ، بل الافهم اذا احصينا السنين ، فماذا أخرجوا للعالم المصرى وللعالم العربى وللعالم الاسلامى فى تلك السنين ، وهذه السنين ؟! فى البلد دور للنشر ، وخزانة للدولة تجود ولا تضن ، وكتب الدين والاسلام كتب ليست مصرية وحسب ، وانما هى كتب عالمية تشق الحدود جنوبا وشرقا وغربا وشمالا ، وتصل الى افاق الصين مخترقة القارة الكبرى اسيا ، وهى تنحدر الى الجنوب ، وتنحرف الى شمال افريقيا الغربى ، وتصعد الى تركيا ويوغوسلافيا وروسيا ، وهى عظيمة الرواج فى عالم يضم ما يقرب من" خمسمائة مليون " من النفوس !
فاين هى مؤلفاتكم بالارقام ؟!
وأين هى مؤلفاتكم مقارنة بمؤلفات علماء الفقه والقانون والاقتصاد والاجتماع والعلوم والفنون فى مصر ؟! بل اين هى المقارنة بما يخرجه اساتذة " اللاهوت " وعلماء " البروتساتنت " والكاثوليك فى الدنيا القديمة والدنيا الحديثة : بين أوروبا وأمريكا ؟!
اللهم : لا حياء فى الدين الللهم انى مؤمن بمكانة " علمائنا الاعلام " ولكنى أريد أن أثبت وأوطد أيمانى .... وليطمئن قلبى !
فكرى أباظة