كنا وحدنا على مائدة الغداء ، فى اجمل بقعة من ضواحى الشام ، فى " دمر " التى وصفها شوقى بأنها الجنة !
وكنت قد ذهبت اليه فى مكتبه يسراى المرجة ، فرايت عجبا ........ مئات من الناس ، من النواب والموظفين وذوى الحاجات ، يتدافعون بالمناكب على ديون وزير الداخلية ، الامين العام لحزب الشعب ، السياسى الذى يبتسم دائما ، الاستاذ على بوظو
وهذه هى المرة السادسة ، التى يتولى فيها السياسى الذى يبتسم دائما ، مقاليد الوزارة ....... ومع ذلك فان عمره لم يتجاوز الخامسة والثلاثين ! وعندما كنا نهبط من سراى المرجة ، واصحاب الحاجات يتدافعون نحو الوزير الشاب ، قلت له :" هذا شىء لايطاق ...... هل يلحقونك الى بيتك " ولم يرد ، بل دفعنى الى سيارته المزودة بالتليفون اللاسلكى ، ثم قال :
" يا استاذ انهم يدخلون على وانا ما ازال فى السرير !"
وخيم علينا صمت عميق ..... وكان يتأمل أشجار الحور الباسقة على ضعاف بردى ، من خلال نافذة السيارة ، ولم يلبث أن قال ، كانه يحدث نفسه : " الحرية هى اثمن شىء فى هذه الدنيا .... ومع ذلك فاننا نفتقدها عندما ندخل الحكم.... نحن نعيش فى سجن ، فى زنزانة من خرفة اسمها " الوزارة " ....... السياسى فى هذا الشرق ، عليه ان يضع حياته العامة وحياته الخاصة ، كانها كتاب مفتوح الصفحات ، معروض فوق الرصيف ، فى متناول أعين الناس ..... نحن فى الشرق لم نصل بعد ، الى درجة التفريق بين حياة الرجل السياسى العامة وحياته الخاصة .......... على كل واحد منا أن يضع نفسه حارسا ، ساهرا ، متيقظا لا ينام ، وهنا المشكلة !" قال هذا ، وانطوى مع صمته وخيال شجر الحور فوق ضعاف أنهر بردى السبعة !
هل يعرف الطفل مصيره ؟
وبعدا الغداء ، وشرب القهوة ، جاء وقت تدخين الشيشة .... فمن الخروج على التقاليد ، أن تجىء الى " دمر " وتسلم نفسك الى احضان الطبيعة الفاتنة ، ثم لا تدخن الشيشة ! وجاء وقت ، شعرت فيه ، أن الحديث قد طاب ، فقلت له :
- أى شىء دفعك الى احتراف السياسة ؟وابتسم .... وسحب عدة انفاس من الشيشة ، ثم قال :
- الاقدار هى التى توجه خطواتنا على الارض ...... هل يدرى الطفل ، عندما يجىء الى الدنيا ، الاسم الذى سيحمله ، والدين الذى سيعتنقه ، والمهمة التى سيسعى اليها ؟ قطعا الطفل لا يدرى مصيره ، فالمصائر بيد الله .........
واستطرد قائلا :
- خد مثلا ، قصة حياتى أنا ، قد تعجب اذا كنت أقول لك ، اننى أصبت بعقدة نفسية وأنا فتى صغير ، وبسبب هذه العقدة النفسية ، دخلت السياسة والنيابة والوزارة !
أمى !
وبعد لحظات ..... قال :
- ولدت فى حى الصالحية بدمشق ، وكان أبى رجلا طيبا محبوبا من جيرانه ، وكانت أمى تحبنى الى درجة العبادة ، فقد كنت وحيدها ، وكان بينى وبينها فارق بسيط فى السن ، فقد تزوجت وأنجبتنى وهى دون الخامسة عشرة ! وعلمتنى الدنيا ، أن أعتمد على نفسى كثيرا ، فلم يكن لى أخوة يساعدوننى ويتعاونون معى ، ويحمون ظهرى ، عندما كنت اهاجم من زملائى الطلبة ! ولعل هذه الحالة هى التى جعلتنى قوى الذاكرة ، أسعى الى التفوق على من حولى بالصبر والرس وسهر الليالى ........ وفى هذه الاثناء ، أى بعد حصولى على البكالوريا ، ماتت أمى ...... كانت فى الخامسة والثلاثين من عمرها ....... وكنت فى العشرين ......... وكانت الصدمة قاسية ، وشعرت اننى اصبحت وحدى فى هذه الدنيا وجها لوجه مع القدر !
مهرجان سياسى فوق الثلوج
" وتابعت الدرس ، فدخلت الجامعة " وكان الفراغ الذى اخذ يطحن أعصاب شبابى ، اكبر من الجامعة ، فانغمست فى الحركات السياسى ......... " وكان السبب صغيرا جدا ، فقد اغلقت الحكومة جريدة " الجزيرة " التى كان يصدرها زميلنا فى الوزارة اليوم ، الدكتور منير العجلانى ........ وكانت من محبى الجريدة ، ومن قرائها المدمنين ، فكتبت عريضة وقع عليها الاف الناس ، وقدمتها الى البرلمان احتجاجا على اقفال الجريدة ! " وكان هذا أكبر من أن يقوم به طالب فى الجامعة ، فقد كانت دمشق يومها متعلقة بحب الكتلة الوطنية ، وليس هناك من يجرؤ على رفع صوته ولو بشبه احتجاج ! " وكانت هذه العريضة هى أول احتكاك بينى وبين رجال المعارضة فى البرلمان !
" والحقت قصة العريضة ، بقصة أخرى ، فاقمت للمعارضة مهرجانا شعبيا فى الحى ، حضره الوف الناس ، والقيت فيه أول خطاب سياسى ! " وضحك الوزير الشاب ثم قال :
" كان الثلج يومها يغطى شوارع دمشق بكثافة نصف متر ، ومع ذلك نجح المهرجان وحضره خلق كثير! " وبعدها انتخبت رئيسا للجنة الطلاب الجامعيين بالاجماع !
" وبذلك خرقت الجامعة السورية ، أول تقليد من تقاليدها ، وهو انتخاب رئيس الطلبة من سنة اولى بدلا من انتخابه من سنة اخيرة فى كلية الطب ! " ولكنى دفعت ثمن هذه الرياسة ، بان دخلت السجن 39 مرة فى تلك السنة !!"
أول لقاء
وعاد يسحب أنفاس " الشيشة " على مهل ، ثم ضحك فجأة وقال : " خطب لى أهلى فتاة جامعية ، وكنت أنا طالبا جامعيا ، ومع ذلك فلم أر خطيبتى ، ولم اجتمع بها ولو من وراء حجاب !....... ومرة ، فى احدى المظاهرات الوطنية الكبرى ، وقفت أخطب فى الجماهير المحتشدة حول تكية السلطان سليم ، وفجاة شعرت بباقات الزهور تلقى على واحدة بعد اخرى ، من بضع طالبات جامعيات .... ووصل البوليس الفرنسى والفرقة " السنجالية " ، وهجموا على المتظاهرين ، وكان نصيبى ضربة على الراس من موخرة بندقية ، فتدفق الدم حتى غمر وجهى ، وتمزق بنطلونى وانا الوذ مع بعض رفاقى الطلبة الى الفرار .... ووصلنا الى جريدة " الايام " والتجأنا فيها ..... " وجاءت بعض الطالبات لمقابلتى ، فجلست وراء مكتب رئيس التحرير بدون بنطلون ، وقميصى ممزق ، والدم لا يزال يسيل من رأسى ، واستقبلتهن بصفتى مناضلا وطنيا رفعت اسم الجامعة عاليا .... وذكرت كل واحدة منهن اسمها ..... ولاول مرة ، وجدت نفسى وجها لوجه امام خطيبتى "
النكته التى أصبحت حكما !
وسكت الوزير قليلا ثم عاد يقول :
- وأذكر حادثة اخرى .... فيها شوية " كوميك " ! ........ فى عام 1943 ، قررت أن أخوض معركة الانتخابات ....... وضد من ؟ ضد قائمة فخامة الرئيس شكرى القوتلى ........ وكنت أصغر من السن القانونية التى هى ثلاثون سنة ، بخمس سنوات ... قدمت دعوى الى المحكمة ، وكان الرئيس صديقى ، وطلبت تصحيح عمرى ، فقال لى بالعامية : " شلون سيدى بدى أولدك قبل زواج امك بوالدك بخمس سنين ؟! ...... وكانت نكتة موفقة ، وبعدها صدر الحكم بتصحيح عمرى فاصبحت بدل ال25 سنة ، مرشحا نيابيا فى سن الثلاثين !..... وهكذا دخلت الميدان السياسى ...... من تحت ، من الشارع ، الى المدرسة الى البرلمان ومنه الى الوزارة !"
وترك الوزير الذى يبتسم دائما ، مبسم " الشيشة " من يده ، ثم وقف وقال :
- لو لم اكن ولدا وحيدا ، ولولا الفراغ الهائل الذى عشت فيه بعد أن فقدت والدتى ، لكنت اليوم أديبا ، أو شاعرا ، أو صحفيا ، أو أية مهنة أخرى غير الانتخابات والوزارة والاشتراك فى الازمات الكبرى !
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |