وقد نشرت هذه التحية الرائعة بالعدد الاول من مجلة " ابوللو " التى أصدرها أبو شادى لتنطق خرائذ الشعراء المعروفين ، وتكشف عن المواهب المغمورة فى مصر والسودان والشرق العربى والمغرب والمهجر الامريكى وتولى عنايتها للنقد الادبى بأسلوب علمى مستحدث وقد أستطاعت هذه الجمعية – التى أسندت رئاستها الى شوقى ثم بعده الى خليل مطران – أن تستحدث ثورة فى عالم النقد ، وتنشىء مدرسة جديدة فى الشعر العربى الحديث ، تسمو برسالة الشعر ان يكون أداة للمدح أو القدح أو المناسبات ، وتجرده من التقليد ، وتنادى بوحدة القصيدة وتحلق به فوق الذرا العالية ومن هذه المدرسة ، لمعت اسماء خالدة فى سماء الشعر العربى ، كأبراهيم ناجى وعلى محمود طه ، والهمشرى وأبو القاسم الشابى والتيجانى يوسف بشير ، من الراحلين ، وعشرات غيرهم من الاحياء ، وفى عالم النقد أسماء أخرى ، كالاديب المصرى الدكتور رمزى مفتاح صاحب " رسائل النقد " والاديب العراقى مصطفى جواد .
حب يشرده الى أوروبا
والشاعر أبو شادى ، هو ابن المجاهد الكبير ، المغفور له محمد أبو شادى بك وهو من أساطين الوفد فى عهد سعد ، من زعماء الحركة الوطنية والثور المصرية سنة 1919 ، وشيخ المحامين فى عصرهو وفى حياة شاعرنا ما تراه فى شعره من هيام بالجمال ....... كان كل جمال يلهب شاعريته ، ولكن القصتين التين عاشتا فى قلبه الى أن لقى وجه ربه ، هما اللتان أرويهما لك هنا :
ولدت القصة الاولى فى يوم يتمه ، أو بعد ذلك بقليل ، حين ودعت أمه الدنيا ، فتزوج أبوه بسيدة من بيت معروف ، وكانت لها ابنة من زوج اول كان الشاعر يؤمئذ فى ميعة الصبا ، طالبا بمدرسة الطب . وذاق لوعة فقد أمة ، وضاعفت هذه اللوعة قسوة زوجية أبيه عليه ، ولكن بارقة من الحنان هدهدت قلبه ومسحت دموعه ..... هى الصغيرة ..... ابنة زوج أبيه كانت طفلة شاعرية حالمة ، يتحدث اليها فتصغى اليه ، ويتملاها فتستجيب له ، ويستلهمها الشعر فتلهمه وأترك لك أيها القارى أن تتصور قوة الصراع فى هذا البيت ، وفى هذه النفس ، وأنت تتأمل صبيا شاعر الروح ، فى حيرته بين قسوة هذه السيدة عليه ، وحنان ابنتها عليه ......
أو تتأمل ما يعتمل فى نفس الصبية الحلوة وهى تحب أمها ، وتحب شاعرها ولكنها حائرة بينهما اذهما فى هذا الصراع وتزداد قسوة الموقف ، حين تعلم زوجة أبيه بأمر هذه العاطفة المشبوبة الناشبة بين الصغيرين ، فتثور ثورة طاغية ، وتصر على الا يبقى الصغير فى البيت !
ويحار أبوه بين عاطفته نحو ابنه ، وبين الابقاء على زوجيته ، فيحاول أن يحول دون اطراد هذه العاطفة على غير طائل ، فلا يجد مخرجا من الموقف الا والده ، باخراجه من مدرسة الطب فى مصر ، وايفاده لاستكمال دراسته فى انجلترا ، ولعله ينسى الحب . وذهب الشاعر الشاب الى انجلترا ، فلم ينس ، بل أزدادت الوقدة فى قلبه ، ولكنها كانت وقدة واعية حملته على مضاعفة جهده فى التحصيل والاستيعاب ، حتى بز أقرانه من الانجلبز ، وفل بمرتبة الشرف فى البكتريولوجيا .
وكانت غاية هذا الجهد ، أن يظفر بشهادته ، ليعود مسرعا الى الظفر بليلاه فى القاهرة ولكن الاقدار رسمت غير ما رسم ، فقد جاءه النبا الذى كان يصفه دائما بأنه أكبر نازلة فى حياته ....... لقد تزوجت ليلاه !
ولم يطق الشاعر النبا ، بعد عناء هذه السنين ، فتمثلت له القاهرة ظلاما ويأسا ، واستقر رأيه على أن يختار لنفسه المنفى ، واستقرت به النوى فى " ايلنج " من ضواحى لندن حيث أنشا معملا بكتريولوجيا ، وظل هناك موزع القلب بين عمله والامه .
يد حانية ....
وفى غمرة هذا الياس ، انتابه السقم وعدا عليه الهزال ، ولكن يدا رفيقة حانية ، امتدت اليه تجفف عرقة وتمسح دموعه ...... هى يد شابه انجليزية كريمة ، امتلا قلبها بالعطف عليه ، وما لبث هذا العطف ، من ناحيتها ، أن أصبح جسرا عاطفيا اليه ، فأحبته وأولته كل جميل
أما هو ، فقد أحس بهذا الحنان الذى حرمه منذ عهد طويل ، فلم يملك أزاءه الا رد الجميل ، فطلب يدها فأمتدت اليه راضية وعاد بها الى مصر ........ وسكنا بيتا هادئا فى ضاحية المطرية ، ورزق منها ثلاثة : رمزى وهو الان ضابط بالجيش الامريكى وصفيه ، التى أخذت عن أبيها شاعريته ، وقد أصدرت منذ شهور قريبة ديوانا من الشعر المنثور فى نيويورك ، وهدى ...... وهى موظفة بأحدى السفارات العربية فى الولايات المتحدة .
الصدمة الثانية
ولما مات أبوه ، فى سنة 1924 " أن لم تخنى الذاكرة " ترك فراغا كبيرا فى الوفد ، وأراد الزعيم الخالد سعد زغلول أن يستعين بالولد مكان الوالد ، ولكن الشاعر اعتذر ، زهدا فى السياسة ، والتحق بوزراة الصحة وتقلب فى المناصب ، وكان أخر ما بلغ اليه منها أن أصبح وكيلا لكلية الطب بجامعة الاسكندرية وفى كل هذه المراحل من حياته كان يلقى حربا عوانا من الناس فى كل ميدان ........ حتى الذين أحسن اليهم ...... كانوا أشد الناس أساءة له !
وأخيرا .... جاءت الصدمة القاسية الثانية فى حياته ، اذا أصيبت شريكه حياته بالسرطان ، فتعذب بعذابها طويلا ، الى ان رحلت عن الدنيا ، تاركة له عبء اكباده الثلاثة ، فاشتد ضيق أبواب مصر الضيقة فى وجهه من قبل ، فأخذ أولاده ، ورحل من مصر ، وولى وجهه شطر الدنيا الجديدة حيث تزوج للمرة الثانية ، وعاش فى نيويورك " المارد الضخم " كما وصفها لى فى أحدى رسائله ........ ثم رحل عنها أخيرا الى واشنطن ...... " المدينة الجميلة التى تنتظم جمال باريس وسحر القاهرة " كما قال فى رسالة أخرى .
خمس مجلات ؟
عرفنا من نواحيه حتى الان انه شاعر ...... وطبيب بكتريولوجى ، وبقى بعد ذلك أن نتبين نواحيه الاخرى كان صحفيا متعدد الجوانب ، يصدر خمس مجلاتفى وقت واحد ! والاعجب من ذلك أن كل مجلة من هؤلاء ، كان لها لونها الفريد ، البعيد كل البعد عن الاخريات كانت أولاها " أبوللو " للشعر ........ وكانت الثانية " مملكة النحل " لسان جمعية النحالين المصريين ، وقد كان أبو شادى ملكا لمملكة النحل فى مصر ، ورائدا من رواد النحالة فى العالم بأسره ، وله فى هذا الباب جهود ضخمة وبحوث كثيرة ، اشهرها بحثه الذى دعا فيه الى تحويل سيوه الى محطة عالمية نحالة ، تغل للثورة القومية دخلا لا يقل عن عشرة ملايين من الجنيهات فى كل عام !
والمجلة الثالثة هى " الدجاج " لسان جمعية الدواجن المصرية ، وقد كان من كبار المربين للدواجن العالمية ، وكانت فى حديقة بيته بالمطرية مزرعة فاخرة للدواجن ، الى جانب المنحل والمجلة الرابعة هى " الصناعات الزراعية " لسان جمعية الصناعات الزراعية المصرية ، التى حملت رسالة التصنيع الزراعى فى مصر والمجلة الخامسة هى " الامام " التى اصدرها خصيصا لرفع راية الادب الشعبى فى مصر ، وكان محررها الاساسى ، هو الاديب الشعبى الكبير محمود بيرم التونسى .
ثائر قبل الثورة :
كان بيرم يؤمئذ فى باريس ، مغضوبا عليه من القصر ، منغيا من مصر لانه طعن الملك فؤاد فى عرضه ، وطعن الملك فؤاد فى عرضه ، وطعن الملك المخلوع فاروق فى نسبه ، ولكن أبا شادى جعله المحرر الاول لمجلة " الامام " بالمراسلة ....... غير مبال بما تعرض له من سخط القصر ورب القصر ورجال القصر !ومما يجمل ذكره فى هذه المناسبة ، أن أبا شادى هاجر الى امريكا قبل ثورة الجيش بعدة سنوات ، ولكنه أخذ نفسه برسالة الاحرار منذ يومه الاول فى أمريكا ، فقد راح فى صحفها يهاجم الملك ، والاقطاع والاحزاب ، وفساد الحكم فى مصر ، ويدعو الى الثورة ...... الثورة التى تحققت بعدذلك بأربع سنوات !على أنه لم ينقطع عن رسالته الادبية هناك ، فقد أجال قلمه فى صحفية " الهدى " العربية التى تصدر فى نيويورك ، وفى غيرها من الصحف ، وفى اذاعة صوت أمريكا ، وتحدث كثيرا عن مصر ، وعن الاسلام وعن الادب الجديد ، واستحدث نشاطا أدبيا ضخما بين أدباء المهجر الامريكى ولما قامت ثورة يولية ، حاول عارفوفضله أن يردوه الى مصر ، ولكن المرض كان قد أثقل، وكان أولاده قد نظموا حياتهم على المقام هناك ، فاستسلم للمنفى ، الى أن لقى وجه ربه ..... رحمة الله