وفى الاسبوع الماضى ، ذهبت الى منزل الشاعر الوزير عضو المجمع العلمى العربى بدمشق ، فى شارع " أبو رمانة "
- ما فعل الله بالشعر العربى يا معالى الوزير ؟ ثم الشعر فى البلاد العربية كلها ؟
- انها فترة عجفاء بدون شك .... الشعر يرتكز على العاطفة والخيال وعلى ترف الروح ..... وهذا العصر عصر مادة شغل بها الناس عن الروح......ولكنه فترة لن تطول ، اذا لا يمكن للعقل وحدة أن يحكم الدنيا ... الحضارات والنبوات والفنون ، كلها ابداع القلب ، ولا يمكن أن تنتهى المعركة الا با نتصار القلب ...قلت :
- أنا افهم الشعر الذى نظمه شوقى ، وحافظ ومطران وبشارة الخورى وعلى الجارم وعلى محمود وطه وأمين نخله ومهدى الجواهرى وعمر أبو ريشة وأمثالهم ... الشعر العربى كما افهمه هو الديباجية العربية الصحيحة التى تتسع لكل خيال وكل معنى ، والتى تستطيع أن تبرز كل خيال وكل معنى ، بـأجمل زينة وأروع حلة .... هذا هو الشعر الرفيع كما أراه ... ولذلك فانا لست من انصار الشعر الجديد المتحرر من " الوزن والقافية ، ولا أرى انه ينسجم مع طابع الشعر العربى ، اذا لكل أدب طابعة الشعر العربى ، اذا لكل أدب طابعة .... هذه موجة ستنتهى حتما خدوا مثلا شعر الموشحات الاندلسية ، فعلى الرغم من انه لم يتحرر من الوزن والقافية ، بل احتفظ بهم .... وعلى الرغم من انه احتفظ بالديباجة والاسلوب العربين ، مع ذلك لم تستطيع هذه الموشحات أن تفرض نفسها على الشعر العربى ........... وعاد الشعر الى اصله الاصيل !
الشعر والوزارة !قلت :
- هل الشعر فى رايك ، علم وصناعة أو موهبة ؟
- قال :
- موهبة ......... فى استطاعة البيت والمدرسة والحضارة والثقافة والزمان والمكان ، فى استطاعتها أن تبتدع فاتحا أو فيلسوفا أو عالما ولكنها لا تستطيع مجتمعة ، أن تبدع شاعرا ، فالشاعر أباع اللله وحده !
- قلت
- ما رايك فى شعر الاغانى التى نسمعها فى خذه الايام ؟
- قال :
- شعر الاغانى ، بالنسبة الى ما قبل عشرين سنة ، قد أرتفع ولكنه فى رايى لا يزال دون المستوى المطلوب ........ قلت .
- وهل تعتقد أن شعر الاغانى ، بالنسبة الى ما قبل عشرين سنة ، قد ارنفع ولكنه فى رايى لا يزال دون المستوى المطلوب ............
- قلت ...
- وهل تعتقد أن شعر الاغانى قد استطاع ان يتجاوب مع فورة النهضة التى تشهدها الامة العربية ؟
- قال :
انا أومن بأن الغناء فى هذه الفترة التى يمر بها العرب ، يجب أن يكون مهلبا للشعور القومى ومثيرا لعاطفة الحقد على الغاصب المستعمر ، ولكن لا يعنى هذا ، أن الغناء يجب أن يخلو من الناحية العاطفية التى يعبر يعبر بها الفنان عن اسمى ما فى النفس البشرية وهى الحب بمعناه الكبير .
قلت
- هذا لا ينطبق على شعرك فالشعر السياسى قد طغى على شعرك العاطفى ! فأجابا محتجا :
- ليس عندى شعر سياسى ، عندى شعر وطنى ، وعندما كنت أنظم فى الوطنية لم تكن قد أصبحت سياسة ...... الشعر الوطنى يستمد من ارفع ما يمكن أن يكون من العواطف الانسانية ...... عواطف الشعور بمحنة الوطن وكفاحه ..... أنا شعرى قليل ......... كله لا يتجاوز الستة الاف بيت ، وفيه قصائد عاطفية كثيرة ........ منها – مثلا – قصيدة " الدمية المحطمة " التى ترجمت الى الانجليزية ........ ومنها أخر قصيدة لى " السراب " وفيها أتغزل بالمراة وكاننى أتغزل بالسراب ، ثم اتغزل بالسراب وكاننى أتغزل بالمراة !
قلت .
وهل لك قدرة على النظم فى كل وقت ؟
- أبدا .... تمرعلى سنة أو سنتان ولا أنظم .. ولا أذكرانى فى حياتى أمسكت ورقة وقلما وصممت على نظم قصيدة ......... يجيئنى الشعر عادة بدون مقدمات ........ أحس بأن نفسى قد امتلات بفكرة أو صدر بيت أو عجزه ، وكثيرا ما أدون أبيات الشعر على علب السجاير !
الشاعر يصلح الوزارة وشعرت بأننى اثقلت على الوزير وأخذت كثيرا من وقته ، وبعد أن طاف بنا فى منزله الذى يسكنه وحده ، وحديقته الصغيرة ، سالته وأنا أودعه :
- هل تعتقد أن الشعراء يصلحون ليكونوا وزراء ؟
- وأجاب .........أعتقد ذلك ........ يجب أن ينجح الشاعر فى الحكم اكثر من غيره ، لان المفروض فى الشاعر أن يكون نبيلا ، وان تكون روح الخير أصيلة فيه .