|
1 ابريل 1955
محمود سعيد قصة مصرية تروى اليوم وغدا وكل يوم … والى الأبد! ومحمود سعيد رسام ، ولكن ما فعله فى الرسم هو مافعله سعد زغلول فى السياسة، وطلعت حرب فى الأقتصاد، طه حسيم فى الأدب, وهو ما فعله توفيق الحكيم فى المسرح، وسيد درويش فى الموسيقى، ومحمود مختار فى النحت… الى آخر القصة!.. وهؤلاء جميعا فصول متكاملة لقصة واحدة هى القصة البحث عن مصر… القديمة أو الحياة المتجددة الدائمة.
خمسة وعشرين عاما طويلة حتى جاء اليوم الذى جلس فيه الى مكتبه وكتب خطاب استقالته وجاءه الرد بالقبول… هذذا اليوم كان ـــ ومازال ـــ " اسعد يوم فى حايته"
ما وراء القانون… والفن: 
وعاش محمود سعيد بشخصية مزدوجة، ولكن الصراع المرير بين الفنان والقاضى هو معركته الروحية الكبرى. ولكنها مع هذا معركة لم تمزق او تشتت شخصيته، وانما حملته بأسلوبه الصوفى الهادىء العميق على أن يلائم ويوفق بين القانون والفن.
ولقد كان يجلس كل يوم ليقضى بين الناس بالعدل ولكنه كا يحس أنه " السجين الأكبر" وكانت الوقائع والمواد والتطبيقات والحيثيثات غلالا ترسف فيه روحه وتكاد تصهرها، وكان يهرب منها فى النفاذ الى " السحنات والملامح" الكثيرة المتلاحقه التى تمر أمامه وفى دراسة النفس البشرية خلال صراعها وانفعالها ومشاكلهاوفى دراسة نماذج الحياة البشرية العجيبة التى يلقاها كل يوم فى المحكمة او القطار من الأسكندرية الى المنصورة حيث كان يعمل…
ورحلة القطار هذه الأسكندرية الى المنصورة هذه كانت أهم مدرسة فنيه اكتشف فيها محمود سعيد أسلوبه الخاص ونماذجه وأبطاله. وكانت نافذة القطار التى يطل منها على الطبيعة والريف والحياة الساكته الكامنة فيه هى نافذته الكبرى على الحياة والفن. ومازال السفر بالقطار حتى الأن هو هوايته المفضلة...
لقد تعلم محمود سعيد " القاضى " من اصدار الأحكام ان تكون صوره ولوحاته تماما كاحكامه، وهو يقول دائما:
" كانت أحكامى لوحات ، ولوحاتى أحكاما, وكان للحكم كما كان للوحه مقدمات وأسباب وحيثيات ونتائج". ولم يهمل محمود فى لوحاته عنصرا أو يفضل عنصرا على عنصرا سواء فى الضوء أو الألوان أو التكوين أو الخطوط، فالتكوين والتوازن هما أهم عنصر " لوحات محمود سعيد"
فن أثمن من أن يباع :
على أن أهم ما أثر به القاضى على الفنان هو أن محمود سيعيد لم يرسم مطلقا " السوق" فقد كان محمود سعيد" فى تزمت ونزاهه القاضى الأمين يأبى ان يبيع مطلقا لوحه من لوحاته... طالما جلس على منصة القضاء.
لأنه كان يخاف أن يقف امامه " مشتر" لاحدى صوره، وهو يشعر بضعف نحو صوره ونحو من يحوزونها
ولقد قال له رئيس المحكمة يوما " لماذا لا ترفض أن تبيع محصولاتك الزراعية وأن تؤجر أملاكك العقارية أيضا؟" ولكن سعيد أصر على أن لا يبيع لوحة واحدة ولو لرئيس المحكمة! ولم تكن تضحية محمود سعيد فى سبيل " الحب" مجرد تضحية رومانتيكية فى سبيل قلبه. ولكنها كانت ايضا ايمانا منه " بالمرأة" وبالحب كعنصر رئيسى واساسى لبناء الثقافة والخضارة والفن. ولعل أحدا من فنانينا لم يكتشف المرأة والأنثى المصرية ـ جسدا وروحاــ مثلما اكتشفها محمود سعيد سواء بين بنات بحرى أو فى الطبقة الوسطى أو بين الفتيات الأرستقراطيات ، ونساء محمود سعيد مصريات خالصات فى نظراتهن وثنيات وتموجات اجسادهن اللاتى ورثنها عن نفرتيتى وكيلوباترا والتى لا تزال تجعل من المصرية أرشق وأرق نساء العالم كما قال الدكتور مشرفه فى كتابه عن ثقافة مصروهن يعكسن حتى فى حزنهم واستسلامهن عبقرية الأنثى المصرية التى تجمع بين حسية الشرق ومنطقة الغرب، واللاتى تبعث اجسادهن المليئة بالدفء والحرارة ... والتوابل ! والنشوة، ولكن لا تبعث الحرقة او الشهوة أو الحسرة، واللاتى يؤكدن فى تنساقهن وتماسكهن الروحى والغرائزى، ايمان محمود سعيد بالجسد الانسانى كمحور الابداع والخلق الفنى وايمانه ايضا بالغرائز الانسانية لعناصر انشائية صادقة للحياة.
حسناء البندقية المجهولة:
ولقد تم محمود سعيد ايمانه بالمرأة من حسناء ايطالية مجهولة، وعاشت فى البندقية فى القرن السابع عشر، وظل محمود سعيد يكافح ثلاث سنوات بأكملها حتى عرف شيئا عنها، وقد عثر عليها ذات يوم مصافة خلال زيارته لمحل للوحات القديمة فى "فينسيا" ولم يكد يراها معلقة فى الحائط حتى تسمر فى مكانه وذهل، وأحس ان هذه امرأة يبحث عنها منزمن سحيق، وسأل صاحب المحل:
ــ من هذه؟
ورد هذا بعدم اكتراث: "صورة"
وأستجمع شجاعته، وسأله: " كم تساوى؟"
وكان يتوقع رقما خياليا، وشد ما كانت دهشته عندما قال له الرجل بعدم اكتراث:
ــ أى ثمن... مائتا ليرة! أ ى ما يساوى جنيهين. ودفع محمود سعيد ثم اللوحة وجرى خوفا من ان يغير صاحب المحل رأيه وأن يكتشف أنه خدع. وسافر فورا الى مصر.
امرأة علمته الايمان :
ولم يكن محمود سعيد يعرف عنها أكثر مما قاله صاحب المحل الايطالى من أنها "صورة" ولكن هذا لم يكفه، فأخذ يبحث ويدرس وينقب ويستعين بالخبراء الايطاليين والعلماء والفنانين حتى استطاع خبير ايطالى فى ترميم الصور القديمة وان يكشف له عن مصورها فقط. وهو مصةر بندقى قديم يدعى " سيكافون" أما شخصية الحسناء نفسها فنا زالت مجهولة، ومازال محمود سعيد يبحث وهو ينظر اليها كل يوم، وفى كل يوم تقول به شيئا جديدا ماعدا... من هى!
وقد تعلم محمود سعيد الايمان بالمرأة من حسناء " سميافون " وتعلم الايمان بالحياة والانسان فى مجده وضعفه من "عبيط " اومغفل أو معتوه أو مجذوب أو رجل فيه شىء لله كما تحتوى كل هذه المعانى بطل "The Idiot" قصة دستويفكسى الكاتب الروسى الخالدة..
ولقد قال دستويفسكى حينما كتب قصة الـ "Idiot" لابنه اخته " اننى انوى تصوير روح جميلة حقيقة" . وخرجت القصة كما قال النقاد " تصور بما لم يتطعه كاتب لة عالم نفسانى حتى الأن، هذا المزيج العجيب بين التسامى والانحطاط وبين فضائل القديس ونقائص الانسان الضعيف، وهذا الصراع الأبدى الذى تخلقه امكانيات الانسان الالهية، حينما تغدر بها حدود آدميته المغرقه فى الآدميـه ... وخرج البرنس ميشكين "مسيحا ذا جسد يخونه كثيرا ورحا مجيدة ومنحطة فى نفس اللحظة".
ولقد وجد محمود سعيد نفسه فى قصة الـ "Idiot" ورسم لوحته المشهورة " تحليل نفسى " وهى قد تكون محمود سعيد، وقد تكون البرنس ميشكين بلا فرق مطلقا...
الملاحة الروحية ... الى الشرق : "
ويعيش محمود سعيد الان كما لم يعش قط بعد ما تحرر من وظيفته وبعد ماتزوجت ابنه الوحيدة "نادية" وهى التنى حاول ان يورثها فنه فلم تقبل طبيعتها.. وان احدا فى اسرة محمود سعيد لم يرث فنه سوى سائقه، وهو يصب نفسه فى لوحاته، ويحاوأن يحقق حلمه الأكبر فى الملاحه الروحية الى الشرق. وقد ذهب هذا الصيف الى لبنان حيث وجد فى الجبل " الانسانية كما يجب ان تعيش" بعناصرها الأولى والصادقة والطبيعة فى صورها العليا فطرية قوية حقيقية...
وهو يحلم بأن تكون رحلته الثانية الى الهند ثم الى الصين.. ليكتشف وحدة الشرق الفنية والروحية.. ومازال "محمود سعيد" يرسم كما يريد ... انه لا يعرف الفن من اجل الفن ولا الفن من أجل الحياة وانما الفن من أجل محمود سعيد ولهذا تجد فى لوحاته كل الفن وكل الحياة وكل سعيد.
والطفل هو مثله الأعلى فى الفن، وأعظم فنان مصرى يؤمن به محمود سعيد من الطفل المصرى، وهو أيضا أعظم أطفال العالم فنا. ولديه مجموعة من رسوم الأطفال المصريين هى دائما المثل الذى يتأمله ويضعه أمامه ويسعى للوصول اليه...
بصقة الفلاح:
ويعيش محمود سعيد فى سلام مع نفسه ومع نفسه ومع الناس ومع التقاد أيضا.. وكلما افتقد الثقة فى فنه تذكر أعظم تقدير فنى لقيه فى حياته.. وكان ــ كما يروى محمود سعيد ــ بصقة من فلاح مصرى على صورة من صوره رآها مصادفة. ولقد حدث هذا منذ بضع سنوات وكان محمود سعيد قد اقام معرضا للوحاته فى الجمعية الزراعية . واقامت الجمعية الى جوارخ معرضا للأبقار..
وتاه جماعة من الفلاحين جاءوا الى معرض الأبقار ودخلوا معرض محمود سعيد.. ورأو ان يشاهدو " التصاوير" "بالمرة". وكان بينها لوحة لفتاة من بحرى وقفت فى النافذة فى نظرات جذابه مستفزة .. ونظر اليه الفلاح طويلا ثم استثارته " فتاة البندر" ولم يملك الا ان يستعيد من خبثها ويبصق عليها..
" وكانت هذه البصقة اجمل تقدير فنى عرفته فى حياتى" كما يقول محمود سعيد وكما يذكر دائما.
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |