وتقص علينا أوراق البردى قصة عن الملك سنفرو صاحب هرمى دهشور ووالد خوفو صاحب هرم الجيزة الاكبر تحدثنا هذه القصة ان صدره ضاق يوما واصبح لا يطيق البقاء فى مكان فى القصر وعجز كل من حوله عن ادخال السرور على نفسه فدعا اليه أحد رؤساء الكهنة فأشار عليه ان يخرج الى الهواء الطلق ويركب قاربا ويتجول فى بحيرة القصر فينشرح صدره عندما يرى الحقول والفضاء فأمر الملك بأن يعدوا له عشرين مجدافا من الابنوس المطعمة بالذهب وأن يأتوا بعشرين فتاة من أجمل فتيات القصر ... رشيقات الصدور مضفرات الغدائر لم تلد واحدة منهن ولدا بعد وأمر بأن يجدفن له وقد ارتدت كل واحدة منهن شبكة بدلا من ملابسها المعتادة وأخذ القارب يذهب ويجىء وأخذت الفتيات يغنين وهب النسيم فأنعش النفوس وأخذ السأم يذهب عن نفس سنفرو وهو يراقب الفتيات وقد أمسكت كل منهن بمجدافها تضرب به صفحة الماء وتستمر القصة فتحدثنا كيف توقفت الفتيات فجأة عن التجديف والغناء فلما سألهن عن السبب أجبن بأن رئيستهن توقفت عن الغناء . فلما نظر اليها الملك اجابت بأن حليتها المعلقة فى شعرها وكانت على هيئة سمكة من الفيروز سقطت فى البحيرة فوعدها الملك بخير منها ولكنها أصرت على طلب حليتها لانها عزيزة عليها . فبعث الملك فى طلب رئيس الكهنة فأعمل سحره ورفع مياه البحيرة وأحضر اليها حليتها التى كانت قد استقرت فى القاع فعاد للفتيات مرحهن وعاد للملك صفاء نفسه وتضاعف سروره !
بحيرات القصوركانت البحيرات عنصرا هاما فى المنازل الخلوية وكان الملوك والافراد يحرصون كل الحرص على وجود واحدة منها فى حديقة المنزل ونعرف عن الملكة " تى " زوجة امنحتب الثالث وأم الملك اخناتون انها لم تقنع بالنيل الذى كان يسير على مقربة من القصر فطلبت من زوجها ان ينشىء لها بحيرة خاصة فى الحقول المحيطة بقصرها الذى بناه لها على الضفة الغربية من النيل أمام الاقصر وكان لها ما أرادت وتم حفر تلك البحيرة فى خمسة عشر يوما فقط وكان طولها 1924 مترا وعرضها 364 مترا وأقام الملك احتفالا كبيرا يوم اتمامها ونزل ومعه الملكة فى سفينة خاصة للنزهة فيها ..
أما البحيرات التى كانت فى منازل الافراد فانها لم تكن تتسع الا لانماء بعض الزهور والنباتات وكثيرا ما كان يسبح فيها الاطفال من حين لاَخر وكانت هذه البحيرة أحب الاماكن الى نفوس الاسرة أثناء الصيف . وكثيرا ما كان يجلس صاحب البيت الى جانبها يمتع ناظريه وأذنيه وهو يرتو ويستمع الى بعض جواريه وهن يرقصن ويغنين له وقد أخذ الاطفال يجرون هنا وهناك فى الحديقة.
أما الذين لم يسعدهم الحظ بامتلاك منزل ذى حديقة وبحيرة فان الحقول والنيل كانت لهم خير بديل . ويمكننا ان نقول بوجه عام ان المصريين القدماء كانوا لا ينظرون الى الصيف نظرة خاصة أو يغيرون من أجله نظام حياتهم واذا طاب لأحدهم الاستمتاع بشىء من الهدوء فان ذلك يكون فى أوقات الفراغ من العمل ونحن نعرف من النقوش التى خلفها قدماء المصريين ان حرارة الصيف لم تمنعهم من تجهيز الجيوش للحرب أو اعداد الحملات لاستخراج المعادن فى الصحراء أو قطع الاحجار وكثيرا ما ردد رؤساء تلك الحملات شكواهم من الحر الذى يشوى الوجوه ولكنهم كانوا فخورين بتغلبهم على جميع الصعاب ونجاحهم فى عملهم.
وجاء اليوم الذى استقر فيه رأى الملك سيتى الاول (( حوالى عام 1300 ق.م. )) على نقل مقر الملك الى الدلتا فترة من كل عام . ولكنه لم يفعل ذلك هربا من حر الصعيد بل ليتسنى له الاشراف على امبراطوريته الواسعة فى اَسيا وظلت طيبة هى العاصمة كما كانت وعاش ودفن فيها هو ومن جاءوا بعده من الملوك واستمروا يبنون قصورهم على ضفة النيل ويقضون شهور الصيف فى الاقصر.
وبنى الملك رمسيس الثالث معبده الشهير فى مدينة هابو وشيد عند مدخله برجا عاليا على شكل قلعة اسيوية كثيرا ما كان يلتجىء اليها اذا ما اشتد الحر لينعم بالهواء وجمال المنظر ويمضى وقته فى لعب السيجة مع فتيات القصر.
على شاطىء مريوطولم نعرف عن أحد ملوك المصريين القدماء أنه اولع بالبحر او شد الرحال ليقضى الصيف على شاطئه .
فلما انشأ الاسكندر الاكبر مدينة الاسكندرية وأصبحت عاصمة البلاد فى عهد البطالمة لم نعرف عن هؤلاء الملوك أكثر من بنائهم القصور على مقربة من البحر الرومانى – أصبح لبعض الناس ولع شديد بقضاء شهور الصيف فى منازل خاصة على الشواطىء ولم يكن شاطىء الاسكندرية هو الذى جذبهم وانما كانت بحيرة مريوط ذات المياه العذبة هى التى استحوذت على أفئدتهم وبنى أغنياء الرومان على شواطئها وفى جزائرها قصورا لهم وكانوا يأتون اليها من روما وغيرها ليتمتعوا بجمالها .
وكثيرا ما تغنى كتاب الرومان بجمال هذه البحيرة وغالوا فى وصف أنواع نبيذها وسحر لياليها . وقد جفت الان بحيرة مريوط وصرنا لا نرى غير المرتفعات التى كانت شواطئها فى يوم من الايام
ومن وقت لاَخر يرى السائر هناك كوما عاليا يعرف فيه احد الجزر التى كانت فى البحيرة تلك الجزر التى طالما شهدت أجمل الليالى وأمرحها ولكن الافتنان بمريوط كان لفترة محدودة فى تاريخ مصر وكان مقصورا على الرومان وعلى فئة قليلة من سراة الاسكندرية الذين كانوا يذهبون فى أثر الساده الغالبين ليتقربوا اليهم وظل السواد الاعظم من المصريين قائمين بالحقول الزاهرة والنيل الجميل يتقون حرارة الصيف - اذا سمحت لهم ظروف عملهم - بالخلود الى شىء من الراحة تحت ظل الشجر أو عل صفحة الماء مع صفوة مختارة ممن يحبونهم ينعمون بنسيم الشمال ويسمرون بحلو الحديث أو يستمعون الى موسيقى هادئة واغان عذبة يرددها الفضاء ويمتع كل منهم ناظريه بجمال الطبيعه ويحس بالسعاده وهو يرى أولاده يلعبون حوله والى جانبه تجلس زوجه تقدم له كل ما تشتهيه نفسه من حنان أو مأكل و مشرب