| معركة الملوك الثلاثة |
| الكاتب/ حبيب جاماتى | ||||||||||||
| 23/11/2008 | ||||||||||||
|
العدد 1639 – 2 مارس 1956 ظل أبو عبد الله لحظات صامتا ، ثم رفع راسه ، ومد يده فداعب جدائل المراة الجائية امامه ومر بأنامله على الجبين الوضاح والخد الاملس فرمقته بياتريس بنظرات تنم فى ان واحد عن حب وحقد ، وعن رجاء فى ان يجبيها الى ما طلبته منه .......
انها تحبه ....... انها تحقد على اعدائه ....... انها تريد انقاذه من المازق الذى اوقع نفسه فيه ، لان فى انقاذه فوزا لحبها ، وارضاء لحقدها ....... وقال ابو عبد الله : - سأفكر فى هذا يا صديقتى ........ وساوافيك بالرد غدا باذن الله ........ ولكنها امسكت بكتفيه وهزتهما بشىء من العنف ، وصاحت قائله : - كل يوم يمر على هذه الحالة يزيدها تعقيدا ويفقدك فرصة قد لا تعوض ....... دعنى اذهب يا محمد ..... دعنى افعل ما عرضته عليك .... فلا سبيل الى الخلاص الابهذا فسكت أبو عبد الله لحظة اخرى ، ثم تنهد قائلا : - اذهبى على بركة الله ! وخرجت بياتريس مهرولة من ال حجرة التى حبست نفسها فيها ساعة كاملة لاقناع صد يقها بالموافقة على الخطة التى رسمتها له ، واسرعت الى مراح الخيل فامتطت فرسا اصيلة ،وانطلقت بها تقطع الفيافى والجبال... الى اين ذهبت ؟ومن هى ؟ومن هو ؟وماذا تريد الفارسة العجيبة ان تفعل ؟ هو مولاى ابو عبد الله محمد المتوكل ، السلطان الذى اعتلى عرش المغرب بمدينه فاس سنة1573 ,خلفا لابيه ,ولكنة فاز بالعرش دون ان يفوز ببيعةالعلماء , ورضى اسرتة ,ومحبة شعبة ... ولحق بها . والتقى الاثنان مع فريق من الاعوان عند الساحل بالقرب من طنجه ، وركبوا البحر ميممين شطر البرتغال وهناك تعاقد السلطان الهارب من المغرب ، مع الملك الطامع فى احتلال المغرب ، على العمل معا فى سبيل الهدفين : السلطان المغربى لاسترجاع عرشه بمساعدة الملك البرتغالى لضمان سيادة البرتغال على السواحل المغربية بما فيها من ثغور ........ وظن أبو عبدالله ان الحظ قد هجر صفوف خصومه واستقر فى صغه هو ، وظن سباستيانو أيضا ان فتح المغرب بأسره أصبح ميسور وفى متناول يده ، ما دام النصر قد حالفه فى المرحلة الاولى من مراحل الحرب العدوانية التى اقدم عليها ولكن سياستيانو كان مخطئا فى ظنه ، وكان أبو عبد الله محمد المتوكل أيضا مغرورا بنفسه ، وكانت فرحة بياتريس البرتغالية سابقة لاوانها ........ يقول المؤرخون الافرانج أن عدد البرتغالين وحلفائهم كان نحو ثلاثين الفا ، وان عدد المغاربة كان خمسين الفا . ويقول المؤرخون العرب ان عدد المغاربة كان فعلا خمسين الف مقاتل بينهم أربعة الف من الاوروبيين الذين التحقوا بخدمة السلطان ، والفين من جنود المدفعية ، ولكن البرتغالين وحلفاءهم كانوا مائة الف لا ثلاثين الفا فقط ، وكان بينهم بضعة الاف من الفرسان ، ومعهم ستة وثلاثون من المدافع الضخمة ! وصل عبد الملك المعتصم الى سهل القصر الكبير ، فاذا به يجد جيش الاعداء مصطفا فيه استعداد للقتال على ضفاف نهرين يخترقان السهل من المغرب الى الشرق ، وقد أحاط نفسه بسور من مركبات النقل وغصون الاشجار .......... وفوجىء المعتصم بمرض اقعده عن الحراك ، ومنعه من أن يتولى بنفسه قيادة المعركة ، ولكنه أمر بأن تصنع له محفة فى داخلها فراش ووسائد . فكان له ما اراد ، واضطجع السلطان المريض فى ذلك السرير المحمول على الاكتاف ، واشرف منه على تطور الحالة لحظة بعد لحظة ...... وكان المغاربة هو البادئين بالمعركة فقد صبوا نيران مدافعهم على جناحى العدو ، ثم اطلقوا فرسانهم لملاقاة فرسانه فى الميدان ........... كان ذلك فى اليوم الرابع من شهر اغسطس سنة 1578 . وأشعة الشمس تسكب حرارتها من الجو فتمتزج بحرارة النيران المنبعثة من فوهات المدافع والبنادق والغدارات .... معركة رهيبة ، جرت فيها الدماء غزيرة من الجانبين ، وصبغت الارض وحولت مياه النهرين الى اوحال قانية ..... تضعضعت صفوف الفرسان البرتغاليين فانطلقت خيولهم ترمح فى السهل وعلى السفح على غير هدى ، وانطلقت فى اثرها خيول المغاربة فى مطاردة أتوت فيها السيوف والرماح من الخوض فى الصدور والنحور ..... وجاء دور المشاة بعد دورا الفرسان ! كان السلطان عبد الملك فى محفته ، يفتح عينيه لحظة ، ثم يغمضهما منهوك القوى . ولكن امارات الغبطة والارتياخ كانت مرسومة على وجهه بالرغم من الشحوب الذى علاه .... واقترب رضوان من المحفة لتحية السلطان بالنيابة عن اخيه احمد ، المنهمك فى اصدار أوامره الى الكتائب الزاحفة لتطويق العدو ...... واذا بالقائد يتراجع ، ويسدل ستائر المحفة ، وينادى أربعة من حراسه ، ويأمرهم بأن يسهروا على راحة السلطان ولا يسمحوا لاحد بأن يرفع الستائر عن المحفة ...... كان السلطان عبد الملك فى الواقع قد اسلم الروح ! مات والمعركة محتدمة . وأراد رضوان ان يخفى الخبر عن الجيش ، فصاح بأعلى صوته ، وأمر مساعديه بأن يطلقوا الصحية مثله : " أن مولاى عبد الملك المعتصم يأمر الجيش بالزحف ،والقاء العدو فى مياه النهرين !" وهجم الجيش المغربى . وضرب ضربته القاضية بقيادة أبى العباس أحمد ، ومعاونه رضوان ....... وتشتت الاعداء فقتل معظمهم ، وفر القليلون الباقون على قيد الحياة ، وهم لا يلوون على شىء ..... كان النصر تاما كاملا شاملا ! وعرفت تلك المعركة باسم " معركة القصر الكبير " لانها وقعت على مقربة من هذه المدينة . وعرفت ايضا باسم " معركة الملوك الثلاثة " لان الموت اختطف فى اثناء المعركة ابطالها الثلاثة : السلطان المريض المعتصم ، والملك الغريب سباستيانو .... والرابع هو الذى خرج حيا من المعمعة ، فاعتلى عرش المغرب ، وعرف باسم مولاى أبى العباس أحمد المنصور ، ولقب أيضا بالذهبى ، وحكم المغرب خمسا وعشرين سنة ، وكان عهده مقعما بالخير والرخاء والمجد .............. بعد انتهاء المعركة ، امر القائد المنصور أبو العباس أحمد بأن تنقل جثة أخيه عبد الملك لتدفن فة مشهد لائق بمقامه . وان تنقل جثة ابن عمه محمد المتوكل وتسلم لانصاره لكى يواروها الضريح حيث يريدون . وأن تسلم جثة الملك سباستيانو الى ذويه ورعاياه ، ليحملوها الى حيث يشاءون ........ أما جثة بياتريس ، فقد وقف أمامها القائد مندهشا ، وتساءل من أين جاءت هذه المراة ، ومن الذى جاء بها ، وما حملها على خوض غمار المعركة بين صفوف الرجال ........ وما وقع عليها نظر رضوان ، قائد الفرسان الاوروبى الذى اعتنق الاسلام ودخل فى خدمة سلاطين المغرب حتى امتقع وجهه ، واغرورقت عيناه بالدموع ....... خطا خطوتين نحو الجثة الممدة على الاراض ، ثم ركع امامها على ركبتيه .................................. واقتراب منه أبو العباس ، وريت على كتفه ، ونظر الرجلان الواحد منهما الى الاخر ، فقراء رضوان فى عينى رئيسة علامة استفهام ، فتمتم قائلا: - هذه بياتريس ........ زوجتى هجرتها منذ أن هجرت بلادى ....... وكنت اعرف انها وقعت اسيرة فى أيدى المغاربة ، وانها ربطت مصيرها بمصير المتوكل ....... وفهمت الان لماذا لجا الرجل الى الملك سباستيانو ، ومن الذى حرض الاثنين على غزو المغرب ...... لقد فعلت بياتريس ذلك لسببين : ارادات ان تنتقم منى لانى هجرتها ........ ولم يكن رضوان مخظئا : فقد أصغت بياتريس لصوت الحقد ....... ومات حبها وحقدها معها فى معركة الملوك الثلاثة ، بالقرب من القصر الكبير
أكتب تعليقاً
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 |
||||||||||||
| آخر تحديث ( 23/11/2008 ) | ||||||||||||